[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

 

التحولات الاجتماعية و دور اليسـار في المجتمع الفلسطيني

 

غازي الصورانـي

                                                                   

 

أولاً: حول التناقض السياسي الديمقراطي الرئيسي الداخلي

في المجتمع الفلسطينـي :

 

 منذ تطبيق اتفاق أوسلو في أيار/مايو 1994 ، وقيام سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية ، بدأ في التشكل واقعا اجتماعيا/اقتصاديا جديدا ، هذا الواقع أو المجتمع "الجديد" ، رغم أنه ولد من رحم الإطار العام للحركة الوطنية الفلسطينية ، إلا أنه سرعان ما تحول عبر دور مرسوم –حددته نصوص الاتفاقات وغيرها من العوامل الداخلية والخارجية على مدار العشرة اعوام الماضية- وعبر رموزه وتعبيراته البيروقراطية والطبقية ، إلى إطار ضيق وأحادي ، انفرد –عبر السلطة الفلسطينية- بدوره بعيدا عن الإطار العام لعموم الحركة الوطنية وبرنامجها وثوابتها الوطنية والسياسية ، بمثل ما انفرد بوضع وصياغة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية وفق رؤى "جديدة" أشرفت على تنفيذها أجهزة السلطة المتعددة وتحالفاتها ورموزها البيروقراطية والطبقية ، في سياق نهج سياسي وممارسات على الصعيد الداخلي ، التزمت إلى حد كبير بنصوص الاتفاقات المعقودة ، بكل جوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية … الخ ، مما عزز الطابع الأحادي البيروقراطي المتفرد الذي أدى بصورة متراكمة إلى تغييب مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ، التشريعيـة والتنفيذية والقضائيـة ، وعزز هيمنة القائد الفـرد على كل هذه السلطات بصورة شبه مطلقة لم يعد معها أي معنى لمبـدأ سيادة القانـون ، مما أفسح المجـال –بشكل صارخ- إلى بروز مظاهـر الاستبداد والقمـع والفوضـى والولاءات الشخصيـة والعائليـة ، وتغييب الممارسـات الديمقراطيـة بكل أشكالهـا فـي نظـام السلطـة  والمجتمع الفلسطينـي معـا*.

لذلك فإن المتتبع لحركة تطور المجتمع الفلسطيني منذ منتصف عام 94 حتى اليوم ، قد يتوافق معنا على أن حركة هذا المجتمع الفلسطيني قد تأثرت بعوامل كثيرة ساهمت في تراكم مظاهر الفساد والخلل والتسيب وغياب سيادة القانون والعديد من المظاهر السلبية الأخرى ، التي تراكمت خلال السنوات العشر الماضية ، ومع إدراكنا الواعي في تناولنا للتناقضات السياسية المجتمعية الداخلية الفلسطينية ، باعتبارها تناقضات لا يجب أن ترتقي الى مستوى التناقض مع العدو الصهيوني، الذي يتميز في كونه تناقضاً أساسياً، رئيسياً وتناحرياً، تختلف طبيعته وأشكال مواجهته عن طبيعة وأشكال مواجهة التناقضات الداخلية ، إلا أننا لا نرى في الفصل بين التحرر الوطني أو الصراع السياسي من جهة وعملية البناء الاجتماعي الديمقراطي الداخلي من جهة أخرى ، موقفا صحيحا أو موضوعيا يخدم مسيرتنا الراهنة ، فالنضال من أجل التحرر الوطني من ناحية، والنضال الديمقراطي من أجل البناء المجتمعي الداخلي من ناحية ثانية يشكلان معاً وحدة جدلية في إطار عضوي متداخل ، ولذلك فإن عملية التوازن بين هذين البعدين في الصراع ذات أهمية  قصوى ، وارتباطا بهذه الرؤية ، فإن تنامي القدرة على خوض النضال لتحقيق الأهداف الوطنية ، حق العودة وتقرير المصير وازالة الاستيطان والدولة ، عبر المقاومة والصمود في مواجهة العدوان الصهيوني وازالة الاحتلال ، ترتبط –هذه القدرة- بمدى التقدم على صعيد البناء الاجتماعي ، اقتصاديا وثقافيا وصحيا وتربويا ، وتعزيز القيم والممارسات الديمقراطية في العلاقات الداخلية ، وبهذا المعنى لا تعود المهام الاجتماعية الديمقراطية ذات سقف مطلبي فقط ، وإنما شرط مادي استراتيجي للتحرر الوطني ، ذلك أن عناوين/محاور البرنامج التحرري بقدر ما تمثل جبهات تماس كبرى مع الاحتلال –كما يجري اليوم- فإن عناوين وميادين النضال الاجتماعي أيضا بدورها تشكل نقاط تماس واشتباك لا تقل أهمية ، ولكن عبر سياقها ومظهرها وآلياتها الديمقراطية كتناقض داخلي لا يجب أن يرقي إلى المظهر أو الأداء التناحري –في فلسطين او اي بلد عربي-، والمطلوب بالمقابل أن تتوفر القدرة على إدارة المواجهة الديمقراطيةضد سياسات السلطة الفلسطينية النقيضة للمصالح الوطنية والاجتماعية ، حيث يتبدى اتساع القطاعات الشعبية الفلسطينية الرافضة والمعارضة لتلك السياسات والممارسات ، بحكم تضررها منها بصورة مباشرة وغير مباشرة ، وهي معارضة عفوية تراكمت طوال العشر سنوات الماضية ، بحاجة إلى المزيد من التأطير والتفعيل والتحريض السياسي لها بصورة منهجية ومبرمجة ومجدولة من قبل الطليعة المنظمة عموما واليسارية منها بشكل خاص .

 

في كل الأحوال ، وفي سياق حديثنا عن التناقضات الداخلية المجتمعية ، فإننا نرى انه بالرغم من بروز وتعمق هذه التناقضات عبر تحولها إلى تناقض رئيسي من جهة ، ورغم تشابكها وتداخلها في اللوحة العامة للمكونات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية العامة ، إلا أن أدوات وآليات المواجهة تختلف وتتفارق بينهما –كما اشرنا- ، فالمقاومة والنضال بكل أشكاله أمر مشروع ومطلوب في مواجهة التناقض الأساسي الرئيسي مع الاحتلال .

 

بالمقابل ، وفي مواجهة التناقضات الداخلية ، فإننا نرى ضرورة تكثيف الفعل السياسي الديمقراطي –الميداني والجماهيري- وكافة وسائل النضال السياسي التي يجب أن تشمل وتغطي كافة العناوين المجتمعية والقضايا المطلبية ، وما يتطلبه ذلك من توفير وسائل ومقومات القوة والتجانس والحضور الجماهيري الواسع للتيار اليساري بالمعنى التنظيمي والفكري والسياسي ، حضورا يعزز دوره من جهة ، ويخدم شعار المرحلة "تحرر وطني وديمقراطي" من جهة ثانية ، عبر هذا التفاعل بين المهمتين .

بهذه الرؤية اعتقد اننا –كقوى يسارية- قد نمتلك خصوصية في تحليلنا الموضوعي لكل من التناقض الأساسي الرئيسي الأول ضد الاحتلال ، والتناقض الداخلي في مجتمعنا الفلسطيني ، فبالرغم من قناعتنا ووعينا بتداخلهما وتشابكهما معا في إطار مهام التحرر الوطني والديمقراطي ، إلا أن لكل منهما سماته الخاصة ومكوناته وعناصره وتمايزه من حيث الجوهر ، ومن حيث أسلوب وآليات التعامل مع كل تناقض منهما على حده ، إلى جانب استقلالية كل منهما النسبية من حيث طريقة أو شكل التعامل معه أو مواجهته ، وليس من حيث الترابط العضوي الموضوعي بينهما ، إن وعي هذه الجدلية في علاقة وحركة التناقضات وفي صيرورتها وتحولها ، لأمر في غاية الأهمية ، إنها الأهمية التي تدفعنا إلى تعميق الوعي والاقتناع بضرورة الانشداد واستخدام كافة أشكال النضال في مواجهة الصراع أو التناقض الأساسي الأول القائم مع الاحتلال ، دون أن نغفل بالطبع التأكيد على ضرورة التعامل مع الكفاح المسلح في كل لحظة وكل ظرف أو مرحلة باعتباره وسيلة يجب أن تنضبط دائما بصورة موضوعية واعية للرؤية السياسية الوطنية الشاملة في الظرف المناسب والمكان المناسب وفق ما تمليه تلك الرؤية.

 

أما بالنسبة للتناقض الداخلي المجتمعي ، فإن الأمر يقتضي –ارتباطا بدور اليسار-تطوير وتعميق وتفعيل حركته على المستوى الخاص الداخلي او التنظيمي من جهة ، وتطوير علاقته مع الإطار الخارجي عبر النقابات والمؤسسات الجماهيرية الشعبية والقطاعات الانتاجية بصورة مكثفة ومحسوسة ، إلى جانب دوره في النضال السياسي المجتمعي باستخدام كافة أساليب وأشكال المواجهة السياسية الجماهيرية الديمقراطية دفاعا عن مصالح الجماهير الشعبية ، وقضاياها الوطنية والمطلبية في آن واحد ، وذلك بالرغم مما قد تقوم به السلطة من استفزازات متوقعة في المرحلة الراهنة او اللاحقة، فهنا بالضبط تنشط العلاقة الجدلية بين الدور النضالي ضد الاحتلال والدور النضالي السياسي الديمقراطي الداخلي ، بصورة تبادلية بالمعنى الإيجابي لكل من الدورين معا ، في سياق هدفي التحرر الوطني والديمقراطي بما يخدم ويعزز اتساع مساحة دور قوى اليسار ، خاصة في المستقبل المنظور، ويَمكِّنها من مغادرة الأزمة باتجاه النهوض والانطلاق لتأدية دورها ووظيفتها الوطنية والاجتماعية في خدمة أهدافنا الوطنية والقومية التقدمية الديمقراطية بالارتباط الوثيق بالرؤية والحركة الاممية، او العولمة النقيضة، العصرية والثورية والاكثر انسانية وعدلا اجتماعيا وديمقراطية .

 

ثانياً : السلطة الفلسطينية والأوضاع المجتمعية الداخليـة :

 

منذ قيام السلطة الفلسطينية في مايو 1994 ، بدأت مرحلة جديدة في حياة شعبنا الفلسطيني ، حملت في داخلها إمكانيات وأدوات للحركة والفعل السياسي-الاجتماعي ، تتناقض إلى حد كبير مع كل ما سبقها من مراحل عاشها شعبنا وحركته الوطنية في كل تاريخها الحديث والمعاصر . وقد نتفق أن ولادة هذه المرحلة النقيض جاءت في مناخ اتفاق كامب ديفيد 1979 وبداية الترويج لسياسة وثقافة "السلام" ، إلى جانب تراجع المشروع القومي العربي ، الذي ترافق مع انهيار ثنائية النظام الدولي وتوفر شروط الهيمنة الأمريكية عبر نظام معولم يمثل الطور الأخير –كما يبدو- في حركة صعود الرأسمالية العالمية ، ولكن  هذه النتائج على أهميتها وخطورتها –لم تكن قادرة على إضعاف وتفريغ المشروع الوطني الفلسطيني من عوامل قوته ، لولا أن العامل الذاتي الفلسطيني المتمثل في قيادة م.ت.ف المتنفذة ، قد أصبح بفعل استكمال وتهيئة عوامل التراكم الكمي- بالمعنى السياسي والطبقي السالب في داخله مهيئا للقبول أو التعامل مع الشروط الجديدة للأبعاد الدولية والإسرائيلية والعربية الرسمية ، منطلقا من فرضية قطرية باسم القرار المستقل ، ومن واقعية رثة ومنطق تجريبي مهزوم هبط بأصحابه من ثوابت الحد الأدنى الفلسطيني والعربي إلى هياكل واتفاقات مع العدو الإسرائيلي تحت مظلة الحكم الإداري الذاتي طوال مرحلة انتقالية دون معرفة مسبقة بطبيعة وشكل وحدود نهايتها في الزمان أو المكان (كما نلاحظ اليوم من التعامل مع خطة شارون التي ستودي بالمشروع الوطني الفلسطيني الى "نهاية" مروعة)، مما سيؤدي إلى تفكيك العلاقة السياسية لوحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات ، والى تفريغ جوهر م.ت.ف الوطني والتعامل مع هيكلها الشكلي القائم الآن عبر هيمنة أحادية بيروقراطية ، مكنت بدورها  كافة  سبل الهيمنة المطلقة اللامحدودة للقائد الفرد  ، بصورة شمولية وعميقة على كل المؤسسات والأجهزة والأفراد سواء في م.ت.ف أو في مؤسسات السلطة الفلسطينية .

 

إذن ، فاتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقات ، لم يكن تعبيرا عن يأس شعبنا بقدر ما كان عنوانا صارخا ليأس المجموعة القيادية الفلسطينية التي وقَّعت ووافقت عليه للخروج من مأزقها الذاتي –التنظيمي والسياسي والفردي- من جهة ، وانسجاما مع تراكم مصالحها الطبقية طوال العقود الماضية ، التي توافقت مع مصالح بقايا كبار الملاك والرموز العشائرية والعائلية ، وبورجوازية الكومبرادور ورجال الأعمال في الوطن والشتات ، حيث توافقا معا في رؤية وبرنامج سياسي ، كان إعلان المبادئ في أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية تتويجا لهما، شَكَّل المقدمة الأولى لحركة المسار السياسي الفلسطيني الذي تميز برسمه البياني الهابط الذي اوصل قضية شعبنا الى الافق المسدود الراهن ونقصد بذلك الجدار الفاصل والمستوطنات وخارطة التيه التي تم تقليصها ومسخها عبر خطة شارون/غزة .

 

فمنذ أيار 1994 ، ومع انتقال إطار القيادة المتنفذة في المنظمة إلى الضفة والقطاع عبر سلطة الحكم الإداري الذاتي ، تحولت مسئولياتها –إلى حد كبير- نحو اتجاه ومجرى جديدين في مواجهة معطيات ومتطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية بكل تفريعاتها في المجتمع الفلسطيني ، وبالتالي بدأت تتخذ عبر هذا التحول طابعا نوعيا جديدا من حيث شكل الممارسة وأدواتها ، حيث أن البنية القيادية لهذه السلطة ظلت ممسكة وعبر الهيمنة الفردية المطلقة لقائدها ، التي يبدو انها تتراجع وتنحسر في هذه المرحلة لحساب "القيادات الشابة" الجديدة وفق "خطة الاصلاح" الامريكية-الاسرائيلية ، التي تم فرضها –ولو جزئيا- على الواقع السياسي/الاقتصادي/الاجتماعي الفلسطيني ، رغم حالة الرفض الشعبي لهذه الخطة واهدافها النقيضة للمصالح الوطنية الفلسطينية ، على اي حال فان المتغيرات الراهنة والمستقبلية في بنية السلطة ومؤسساتها ستدفع الى بلورة دور سلطة الحكم الذاتي في شكلها الجديد صوب مزيد من التوافق والتوحد المعبر عن سياسة ومصالح الشرائح الطبقية الرأسمالية (الزراعية والتجارية والصناعية والمالية والطفيلية والبيروقراطية) القديمة التقليدية والجديدة الطارئة ، التقليدية والمشوهة ، وهي علاقة لم يكن ممكنا لها أن تتوحد –كما هي اليوم- بدون ذلك التراكم في توحد المصالح المشتركة بين بنية السلطة (البيروقراطية الفاسدة ، العسكرية والمدنية) من جهة ، والبنية الطبقية أو الشرائح العليا الرأسمالية الفلسطينية في الداخل والخارج ، هذه العلاقة-التوأمة ، القائمة على المنافع المتبادلة ، التي لم تكن غائبة قبل قيام السلطة ، وكانت قائمة بصورة مستترة وكامنة في إطار بعض مؤسسات م.ت.ف ، أصبحت مكشوفة ومتشابكة في الوضع الجديد أو السلطة ، الذي أوصل هذه العلاقة إلى الذروة ، او المتغيرات الراهنة والقادمة تحت مظلة الاصلاح الامريكي المزعوم ، وهو امر غير مفاجئ او مستغرب نظرا لانشداد معظم اطراف السلطة بصورة تاريخية وتدريجية عبر المصالح – الاقتصادية و السياسية – بخيوط متعددة مع الرأسمال العربي و الأجنبي و الإسرائيلي ، يتحكم فيها المركز الرئيسي عبر قناة الصندوق و البنك الدوليين و قنوات أخرى متعددة .

 

و السؤال ؟ هل نكتفي بمعالجة "خارطة الطريق" و"خطة شارون" بالانسحاب من غزة وجزء من الضفة، بمنطق المزيد من التشخيص و التحليل و تبيان هذه المخاطر المتراكمة سواء بفعل دور ووظيفة العدو الرئيسي إسرائيل و الحركة الصهيونية ، أو بفعل التناقضات الداخلية الناتجة عن ممارسات السلطة و تحالفاتها أو انقساماتها بين قيادة تقليدية وقيادة شابة باسم الاصلاح او غيره من المشاريع الامريكية-الصهيونية؟ أم أن علينا -كقوى يسارية قومية-استحقاقات أخرى ليست غاية في ذاتها بقدر ما هي وعاء أو إطار يحمل على عاتقه هموم و معاناة و برنامج المستقبل للوطن و الجماهير الشعبية في آن معاً ؟ استحقاقات تدفع بعقل هذه القوى– الجمعي – و ممارساته الديمقراطية المركزية الداخلية إلى دوائر و ميادين تتجاوز كل هذه الاتفاقات التي تهبط بشعبنا من قاع الى قاع آخر أكثر سوءا ، بمثل ما تتجاوز كل ممارسات السلطة على الصعيد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي ، دون أن تتخطاهما أو تقلل من مخاطرهما على شعبنا و جماهيرنا الفقيرة و أرضنا المحتلة بصورة شمولية واسعة ؟ بالطبع ، ان الجواب النظري -للوهلة الاولى- ان هذه القوى لا بد لها من ان تدرك انها ستدفع كل هذه الاستحقاقات ، و ستتجاوز مع جماهيرها الشعبية كل هذه العقبات  ، و لن تتسمر عند حدود أي منها مؤمنة بخصوصيتها الوطنية الفلسطينية في اطار عروبتها كجوهر رئيسي ، وبمبادئها في الحرية و العدالة الاجتماعية والديمقراطية بآفاقها الاشتراكية .

 

لذلك فإن معالجتنا للاتفاقات و للأوضاع الداخلية المتردية ، بمنطق التشخيص و التحليل و كشف المخاطر الراهنة والمستقبلية ، هو أحد المداخل الضرورية لقوى اليسارمن أجل صياغة البدائل الوطنية و المجتمعية ، والنضال – بصورة منظمة و جماهيرية – من أجل تحقيقها في الحياة و على أرض الواقع ، انطلاقاً من قناعتها ووعيها و التزامها بأنها هي الأكثر تأهيلاً و قدرة على صناعة مقدمات و مقومات الدور المطلوب في مجابهة الواقع الراهن وتغييره .

ففي هذه الظروف التي تتزايد فيها مظاهر العنجهية الإسرائيلية الاحتلالية و ما يترتب عليها من خطوات عملية لخلق معطيات و حقائق أمر واقع جديدة ، بالتهويد و الاستيطان و المزيد من تجريف الأراضي و الاستيلاء عليها و المطاردة و الاعتقال ، و القصف و هدم البيوت ، و الحصار و الضغط الاقتصادي و التجويع، حيث يسعى العدو من خلال هذه الممارسات الى ازاحة مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة واستبداله بمشروع "غزة" الذي سيراكم بالضرورة مزيدا من التعقيدات في المأزق السياسي لمسار التسوية المهين الراهن ، و هو مأزق لا نعتقد أن السلطة الفلسطينية تعمل –بصورة جدية- على الخروج منه أو مواجهته ، دون أن نلغي إمكانية او استعداد بعض اطرافها للتعاطي مع " المستجدات السياسية " الشارونية – الأمريكية تحت ذريعة الأمن و فض الاشتباك و الحصار الجغرافي و الاقتصادي ، و بهدف الخروج من مأزقها الداخلي العميق ، الذي تتسع دائرته يوماً بعد يوم ، ذلك لأنها لا ترغب و لا تريد – حتى اللحظة – للخروج من مأزقها الداخلي عبر باب التغيير و الإصلاح الديمقراطي الشامل –النقيض لمنطق الاصلاح الامريكي- ، في الضفة و القطاع ، كما لا تريد أن تخرج من مأزقها السياسي عبر باب المسار السياسي العربي الشعبي الذي يتطلب إعادة النظر في كل عملية التسوية و التفاوض و استبدال مرجعيتها و سياساتها برؤى و مرجعيات سياسية و تنظيمية جديدة تستند إلى وقف كل السياسات السابقة ، و رفع شعار وقف المفاوضات و تبني الدعوة لالتزام إسرائيلي بالقرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية كأساس و مرجعية هامة بما يؤدي الى تحقيق هدف قيام الدولة الوطنية الفلسطينية كاملة السيادة على الاراضي المحتلة 1967 ، مع ما يترافق مع ذلك من تفعيل دور م . ت . ف و إعادة انتخاب مجلسيها الوطني و المركزي ، و لكن – و كما يبدو بصورة جلية – لم يعد ممكناً للسلطة أن تغير مسارها الراهن  دون متغيرات سياسية و مجتمعية في إطار جماهيري واسع ، يمهد لخلق قوة ضغط ديمقراطية مؤثرة تفرض تلك الرؤى و المعطيات التغييرية النوعية المطلوبة في القضايا السياسية الوطنية و المطلبية معاً ، و ذلك هو مسار القوى اليسارية-القومية و دورها في موازاة مسار السلطة المستجيب – بهذه الدرجة او تلك للقرار الإسرائيلي – الأمريكي – من جهة ، و الذي تتزايد و تتسع مخاطر مكونات بنيتها و أجهزتها و نتائج  انعكاسات ممارساتها على جماهيرنا الشعبية بصورة سلبية خطيرة و مؤثرة وغير مسبوقة من جهة ثانية ، تتجسد هذه الممارسات – التي باتت حديث الشارع – في اتساع رقعة الفساد و الإفساد و المحسوبيات و التسيب و بهتان دور القضاء و الانحطاط الاجتماعي عبر إعادة إنتاج التخلف و تجديد دور رموزه بالتساوق مع مصالح أجهزة السلطة و في خدمتها ، كل ذلك في إطار من الفراغ السياسي بالمعنى الدستوري المُعبَّر عنه في احتكار السلطة للعمل السياسي وإفساد وتجويف العمل الجماهيري ، و استمرار دورها في تغييب المشاركة الشعبية وتطبيقاتها الديمقراطية الى جانب احتكارها شبه المطلق للهيمنة –عبر اجهزتها- على كافة المؤسسات ، ومحاولتها الدؤوبة لعزل كافة أطراف الحركة السياسية عموماً و المعارضة بشكل مُرَكَّز ، و من هذا الموقع المحتكر للعمل السياسي و الاجتماعي العام ، عملت السلطة على تبهيت الوظيفة و الدور الإيجابي للعمل السياسي أمام الجماهير في ظل غياب النظام العام و القانون الناظم للحياة الاجتماعية مع تبهيت كامل لكل إمكانيات أو بدايات نضوج مؤسسات المجتمع المدني .

 

ثالثاً : الأوضاع والتحولات الاجتماعيـة :

 

إن أهم ما تتميز به الأوضاع الاجتماعية-الطبقية في بلادنا –والبلدان العربية عموما- أنها أوضاع انتقالية ، غير مستقرة وغير ثابتة، والأشكال الجديدة فيها تحمل في ثناياها العديد من ملامح القديم ، لذا فإن التحليل الداخلي أو الطبقي لمجتمعاتنا ، القائم على المقارنة الميكانيكية أو التشابه بينها وبين مسار التطور الأوروبي كمعيار ، سيؤدي بنا إلى مأزق تحليلي ومعرفي عند مناقشة الوقائع العينية والأحداث التاريخية التي ميزت واقعنا ، لأن هذه الأحداث والوقائع كانت عاملا أساسيا من عوامل تشوه وتميع الوضع الطبقي الفلسطيني ، فالنكبة الأولى عام 1948، التي شردت شعبنا ودمرت قاعدته الإنتاجية (شبه الإقطاعية –شبه القبلية- شبه الرأسمالية آنذاك) ومجمل بنيته الطبقية والمجتمعية ، ثم ضم وإلحاق الضفة الفلسطينية إلى الأردن لتصبح جزءا من اقتصاده ومجتمعه ، ووضع قطاع غزة تحت الوصاية المصرية ، وتكريس التباعد الجغرافي والسياسي بينهما الذي عمق التباعد الاجتماعي-الاقتصادي بين أبناء الشعب الواحد حتى الاحتلال عام 1967 ، الذي قام بإلحاق اقتصاد كل من الضفة والقطاع بالاقتصاد الإسرائيلي ، ومنذ توقيع اتفاق اوسلو ومن ثم اتفاق باريس الاقتصادي (نيسان 1994) يعيش الاقتصاد الفلسطيني حالة من تواصل التبعية الكاملة –من حيث السوق والوحدة الجمركية والأسعار- للاقتصاد الإسرائيلي، تقترب في بعض اوجهها مما كان عليه الحال ابان مرحلة ما قبل اوسلو خلال الفترة من 5حزيران67 الى سبتمبر1993.

 

إن هذه الأحداث والمتغيرات والتطورات التي واكبت تطور مجتمعنا الفلسطيني –وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمعات العربية- تفرض علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصية في تطور مجتمعنا ، وعدم إمكانية تطابق مساره التطوري مع المعيار أو المسار الأوروبي كما شَرَحتْه بعض مقولات المادية التاريخية في تناولها للمجتمعات الأوروبية .

 

إننا إذ نسترشد في تحليل متغيرات الواقع وقراءة كافة الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالنظرية المادية الجدلية-التاريخية ومنهجها ، إلا أن هذا لا يعني أن مجتمعنا الفلسطيني –والمجتمعات العربية- محكوما في تحولاته بالضرورة بمسار المجتمعات الغربية أو أي مسار آخر ، ذلك لأن الواقع الاجتماعي الاقتصادي الفلسطيني –دونما انفصام عن الواقع الاجتماعي العربي- هو نقطة البداية في التحليل والتشخيص والوعي بتفاصيل مكوناته استنادا للنظرية الماركسية ومنهجها ، ومن هنا تكتسب مفاهيم ومصطلحات مثل "الإقطاع" و"الرأسمالية" و"البرجوازية" والطبقة العاملة أو "البروليتاريا" مضامين مرتبطة بالتطور التاريخي في أوروبا ، وهي مضامين لا تتوافق أو تتناسب إلى –حد كبير- مع تحليلنا لواقعنا ، بحكم اختلاف شكل ومضمون التطور التاريخي في بلادنا ، اختلافا جذريا ، دفع العديد من المفكرين والكتاب والمثقفين الماركسيين العرب إلى استخدام مفاهيم حمل كل منها مضمونا توافق مع واقعنا بصورة جزئية دون استقرار وثبات لهذه المضامين بصورة نهائية كما حصل في المفاهيم ومضامينها المطبقة على التجربة الأوروبية ، مثل "الإقطاع الآسيوي" "المجتمع شبه الإقطاعي شبه القبلي" "الإقطاع القبلي" أو "الإقطاع العشائري" ، "الإقطاع الأبوي" "مجتمع ما قبل رأسمالي" "مجتمع شبه رأسمالي قبلي شبه إقطاعي" ، وكذلك الأمر بالنسبة للبرجوازية ، كطبقة غير متبلورة ، اتخذت في بلادنا سياقا أو إطارا –بحكم تبعيتها- مغايرا للبرجوازية الأوروبية ، فهي عندنا "برجوازية" أو رأسمالية كومبرادورية ، سمسارة ، طفيلية ، ريفية ، متخلفة ، ولدت –كما غيرها من الطبقات "الحديثة"-، في أحضان الأنماط والعلاقات ما قبل الرأسمالية ، وبالتالي فليس مستغربا أن لا تتطلع هذه الشرائح الرأسمالية "البرجوازية" إلى دور "طليعي" أو نسبي في عملية التحرر الوطني أو البناء الاجتماعي الداخلي يعبر ويتوافق مع مصالحها ، بسبب استنادها ، من حيث الولادة والتكون ، إلى عوامل داخلية مشوهه ومتخلفة ، وعوامل خارجية حددت دورها ووظيفتها ومسارها وتبعيتها للآخر ، فالمعروف أن نواة البرجوازية في بلادنا –وفي العالم الثالث عموما- لم تتشكل في داخل البنية الاجتماعية التحتية ، وبالتالي لم تحمل مشروعا نهضويا أو تنويريا ، كما لم تكن نقيضا للطبقة السائدة (شبه الإقطاعية) بل كانت امتدادا "عصريا" لها ، وتابعا مخلصا للسوق الرأسمالي العالمي –وقابلا للاحتواء والخضوع- عبر تطورها إلى برجوازية كمبرادورية كما هي سماتها الرئيسة وممارساتها –في كافة الاقطار العربية- في المرحلة الراهنة .

 

وكذلك الأمر بالنسبة للطبقة العاملة ، التي لم تتبلور بعد في بلادنا ، كطبقة تعبر عن نفسها بصورة مستقلة ، حيث نلاحظ اليوم ، التفاوت الواسع لشرائح هذه الطبقة ، من حيث وعي أفرادها ، وتكوينها ، ودورها ، وعلاقاتها الاجتماعية ، مثالنا على ذلك ، التفاصيل اليومية للواقع المعاش لعمالنا و معاناتهم في الضفة والقطاع ، فالعاملين في السوق الإسرائيلي وبسبب فقرهم وحاجتهم فانهم يستجدون بيع قوة عملهم واستغلالهم من صاحب العمل الاسرائيلي ، فاذا فتحت الحواجز وحصلوا على تصريح العمل ، تبدأ رحلة العذاب –العمل- حيث يتعرضون لكل أشكال الاضطهاد –الوطني والطبقي- منذ فجر يوم العمل لكل منهم ، على الحواجز والتفتيش والإذلال النفسي والمادي ، إلى معاناتهم لدى صاحب العمل وتحملهم للأعمال الشاقة والقذرة ، ثم عودتهم بعد هبوط الليل ، إلى عائلاتهم ومجتمعاتهم الصغيرة التي يعيش معظمهم في داخلها بموجب تقاليد وقوانين العائلة والقرية والمجتمع ، إنها المفارقة التي تميز هذا القطاع الواسع من عمالنا المشدودين بصورة معنوية وعضوية إلى عاداتهم الاجتماعية التقليدية في الأسرة أو الحامولة ، أو تجمع القرية ، يمارسون فيها وعبرها دورهم الاجتماعي حسب الوضع الاجتماعي المتوارث لكل منهم ، وكذلك الأمر بالنسبة للعمال في السوق الفلسطيني (الضفة والقطاع) قطاع الخدمات أو الصناعة أو الزراعة ، فإننا نلاحظ أيضا ، حالة التفاوت بين هذه الشرائح العمالية من جهة ، وبين العلاقات الإنتاجية التي يمارسون أعمالهم من خلالها ، وهي وإن كانت تبدو ظاهريا علاقات رأسمالية (عبر علاقة الأجرة) إلا أنها ليست كذلك بحكم تخلف القطاع الإنتاجي نفسه (الزراعي أو الصناعي أو الخدمات) ، أو بحكم استمرار هيمنة الأنماط القديمة المادية والغيبية القدرية على عقل ومكونات هذه الشرائح العمالية ، وبالتالي فلا غرابة من ضعف وعيهم بالظلم الطبقي بصورة مباشرة ، ذلك لأن إطار العلاقات الرأسمالية الظاهرية ، هو في حقيقته إطارا شبه رأسمالي يحمل في ثناياه العديد من ملامح القديم بما يعيق عملية الفرز الطبقي المحدد داخل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الفلسطينية القائمة (والعربية أيضا) ، التي ما زالت عملية غير مكتملة بل ومشوهه ، على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية ، نظرا لهذا التداخل أو التشابك في العلاقات الاجتماعية الاقتصادية وفي العديد من الطبقات والفئات الاجتماعية ، ونظرا لأن فئات واسعة من السكان في مجتمعنا ، لا تزال تعيش أوضاع انتقالية بحيث لم يتحدد انتماؤها الطبقي تحديدا مستقرا ونهائيا ، خاصة وأن طبيعة المرحلة الراهنة ، بعد عشر سنوات من قيام السلطة الفلسطينية ، مليئة بالمفارقات والمفاجئات ، حيث نلاحظ أن معظم الأثرياء الجدد (أفرادا وجماعات) مرتبكين بين انتماءاتهم الطبقية-الاجتماعية في سياق تجربتهم الوطنية السابقة ، وبين أوضاعهم الطارئة ، الثرية المحدثة –عبر مظاهر واشكال الفساد والحراك الاجتماعي الشاذ-، لا يشعرون باستقرارهم ، كما لا يشعرون بعمق انتماءهم الجديد ، فالمتغيرات الخطيرة الراهنة-والقادمة بفعل "خارطة الطريق" أو "خطة شارون" (غزة وجزء من الضفة أولا وأخيرا)، هي التي ستحدد دورهم بالمعنى الاجتماعي و الاقتصادي والسياسي ، كما ستحدد مستقبلهم في سياق الرؤية الامريكية-الاسرائيلية وبالتوافق معها. 

 

الأمر الهام الآخر الواجب الإشارة إليه ، عبر محاولتنا لتحليل واقع مجتمعنا الفلسطيني خلال العشر سنوات الماضية ، يتمثل في تلك الآثار والنتائج الاجتماعية الناجمة عن هذه الفترة القصيرة المحددة ، والناجمة عن بروز التعصب أو عمق الرابطة الاجتماعية الضيقة التي تكرس الولاء لرموز التخلف المرتبطة مصلحيا بمظاهر وأوضاع الخلل والفساد والفوضى ، وذلك تحت غطاء العادات والأعراف والتقاليد والتراث . 

 

إننا إذ ندرك أن عمق الرابطة الاجتماعية كان على الدوام أكبر تأثيرا من العلاقات الطبقية غير المتبلورة بعد، وقد كان لذلك الأمر دورا إيجابيا قبل وبعد نكبة 1948 ، رغم تخلفه من الناحية التاريخية والموضوعية ، في إطار حركة المقاومة الفلسطينية طوال المرحلة السابقة ، إلا أن بروز وتكريس دور هذه الرموز والعلاقات الاجتماعية القديمة في إطار الرابطة الاجتماعية الضيقة ، باسم العادات والتقاليد والأعراف ، وفي سياق حالة الهبوط السياسي – الاجتماعي – القانوني الراهنة ، سيتراكم دور وتأثير الجوانب السلبية الضارة لتطال معظم مكونات المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع وتخلق مزيدا من الانقسامات فيه لن تتوقف عند الانقسام السياسي – الاقتصادي العام ، وقد تتسع لتصيب بالضرر مكونات الوعي الوطني والمجتمعي الداخلي على مستوى المدينة ، والقرية ، والمخيم ، إلى جانب الحاموله والعشيرة ، بما يفاقم مظاهر الخلل والانحراف والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الضفة والقطاع ، ويشق مزيدا من العمق في مجرى الهبوط بالعملية السياسية الجارية وبعملية البناء المجتمعي الديمقراطي الداخلي معا ، الذي قد يؤدي إلى خلق فجوة واسعة تفصل بين حلم التحرر والتغيير الذي يطمح إليه شعبنا وما زال ، وبين واقعه الذي تتراجع فيه عوامل التطور والنهوض وهي عوامل الصمود والمقاومة في آن واحد ، لحساب عوامل التخلف والتبعية والسلفية الجامدة والاستبداد في سياق الهبوط السياسي المريع الذي تتعرض له قضيتنا الوطنية راهنا.

 

إذن ، فالتطور الاجتماعي ، في الضفة والقطاع ، منذ عام 1994 إلى اليوم ، لم يكن تطورا إيجابيا في محصلته أو نتائجه العامة ، حيث تعرض لمتغيرات وتحولات ساهمت في انحراف العديد من جوانبه ، بصورة كلية أو جزئية ، عن سياق التطور الوطني والاجتماعي العام الذي شقته الحركة الوطنية الفلسطينية في التاريخ المعاصر ، بحيث قادت هذه المتغيرات – بشكل مباشر و غير مباشر – إلى تحولات ومظاهر سلبية في البنية المجتمعية والبنية القيمية والأخلاقية لمجتمعنا الفلسطيني ، وهو أمر ناتج عن طبيعة السلطة المهيمنة ، إذ أن مسار وتكون النمط الاجتماعي الاقتصادي الذي تمثله السلطة الفلسطينية لا يمكن إلا أن يفرزمثل هذه المظاهر و التحولات .

 

و في هذا السياق فإن ما يميز مجتمعنا اليوم ، ليس فقط الصفات السلبية على الصعيد الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي ، بل أيضا هذا العجز الفاضح في تحقيق الحد الأدنى من النظام الداخلي و التماسك المجتمعي الذي أنتج ما يسمى بظاهرة " المجتمع العصبوي " الذي يقوم على إعادة تأكيد الانتماء إلى العائلة أو العشيرة ، الى جانب الفوضى والانفلات الامني الداخلي، نتيجة انعدام الدور القوي للدولة أو السلطة المركزية المعبرة عن إرادة جميع الأفراد و التي تتيح التعبير المتساوي لجميع الإرادات داخل المجتمع .

 

إن استعراضنا للأوضاع الاجتماعية يظهر مجموعة من الحقائق و المفاهيم و المؤشرات الدالة على طبيعة الخارطة أو التركيبة الطبقية الفلسطينية ، التي لم تتبلور بصورة نهائية بعد ، بسبب استمرار هذا التداخل و التقاطع للأشكال الحديثة للتقسيم الاجتماعي للعمل ، ونقصد بذلك البيروقراطية الحاكمة في اجهزة السلطة المختلفة، مع الأشكال القديمة المتوارثة – التي أشرنا إليها - ، و التي ما زالت تملك دوراً و تأثيراً ملموسا في عملية توزيع الدخل و الثروة و السلطة ، و لنا في تجربة العشر سنوات الماضية أن نستنبط العديد من الأمثلة على هذه العلاقة التي ينجم عنها ما نسميه بإعادة إنتاج العلاقات المتخلفة بما فيها ظاهرة الاستزلام المنتشرة الآن في مجتمعنا الفلسطيني لدرجة أن إجابات الكثير من الموظفين البسطاء في مؤسسات السلطة " المدنية أو العسكرية " عند سؤالهم عن مكان عملهم الرسمي يرد عليك قائلا " أنني أعمل لدى الأخ أبو فلان" ، باعتبار هذا الأخير هو السيد الجديد و صاحب العمل و المتنفذ الوحيد ، بالطبع دون أن يذكر ذلك الموظف البسيط اسم المؤسسة أو الوزارة أو الجهاز الذي يعمل فيه بصورة عفوية و غير مقصودة في كثير من الأحوال ، وهو امر ناتج عن سيادة ما يسمى بظاهرة "مأسسة الفساد والتخلف" بدل مأسسة النظام العصري الديمقراطي القائم على المشاركة الشعبية.

 

في هذا السياق يمكن توصيف علاقات " الاستزلام " السائدة عندنا اليوم على أنها علاقات شبه إقطاعية من طراز فريد – كما يقول د. محمود عبد الفضيل – حيث تمتزج و تنصهر فيها علاقات الإنتاج الاقتصادية من ناحية و علاقات التبعية و الولاءات ذات الطابع الفردي أو الجهوي من ناحية أخرى ، و كما هي الحال عندنا في الضفة و القطاع فإن هذه العلاقات الاستزلامية تأخذ شكل العلاقات الشخصية ، سواء من بقايا ما يسمى بالأرستقراطية القديمة أو بقايا "الأفندية" ، و كبار التجار من ناحية أو من الابوات القدامى و المحدثين من ناحية أخرى ، و بالطبع فإن هذه العلاقة تفعل فعلها الذي يتساقط رذاذاً أو مطراً - بالمعنى المادي و المصلحي بالطبع – على الأعيان و الوجهاء و المخاتير ورموز التخلف، و على بعض  قيادات " المؤسسات" النقابية و المنظمات الأهلية و الجمعيات ، التي تأسس كثير منها لمثل هذه الغاية ، كذلك تأخذ علاقات الاستزلام " شكل الدعم الانتخابي الشعبي " خصوصا في أوساط الفقراء في المخيمات والمناطق الاكثر فقرا في قطاع غزة عموما والمناطق الفقيرة في شمال الضفة الغربية وجنوبها إضافة إلى مخيماتها وقراها ، لا فرق هنا بين لاجئ ومواطن طالما كانت مظلة الفقر والمعاناة تظللهما في اطار "نظام" الاستبداد والخوف والامتثال والطاعة.

 

وبناء عليه فإننا ، ندرك بكل موضوعية ووعي ، أن استمرار تطور العلاقات الاجتماعية في بلادنا على صورتها المشوهه الراهنة ، هو أمر بقدر ما يتعارض مع قوانين الحياة ومتغيراتها وتراكماتها الدافعة صوب الارتقاء والتقدم ، يتعارض أيضا مع نضال شعبنا وتضحياته الغالية في صراعه الطويل مع العدو الصهيوني، من أجل تحقيق اهدافه في التحرر والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، الامر الذي يستوجب استنهاض قوى اليسار الفلسطيني والعربي، كضرورة موضوعية ملحة، حتى لا يصبح المستقبل كأنه " قدر محتوم " نساق إليه من نظام العولمة الامريكي الصهيوني الذي نجح الى حد كبير في السيطرة على مقدرات شعوبنا، وما العراق وفلسطين سوى مؤشر صارخ على تلك الهيمنة التي ستتسع لتشمل كل مساحة النظام العربي،  لذلك فإن عملية استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل ستظل رهاننا الدائم والمستمر ، للإسهام في تعبئة طاقات مجتمعنا بارتباطه العضوي مع محيطه العربي في ظل عالم يموج بالمتغيرات لا مكان للضعفاء فيه .

 

 و هنا تتجلى بالضبط أهمية تشخيصنا و توصيفنا لواقعنا كمدخل نحو عملية التغيير الوطني والديمقراطي والوحدوي العربي بمنطلقاته وآفاقه الاشتراكية الذي نعمل من أجل تحقيقه في بلادنا .

 

إن استعراض هذه الدراسة الاولية، وتشخيصها لبعض جوانب الأوضاع والمتغيرات في سياق التطور الاجتماعي ، اظهر مجموعة من الحقائق والمؤشرات الدالة على طبيعة التشكل الطبقي في بلادنا :

أ-تطورت العلاقات الاجتماعية في اتجاه تبلور مجتمع طبقي مشوه ، وتابع ، في سياق نسيج اجتماعي متنوع في سماته الطبقية بين القديم والحديث والمعاصر ، رغم توحد معظم اطرافه في الموقف الوطني العام ضد العدو الصهيوني ، والاحتلال، مع الاخذ بعين الاعتبار تباينات هذا الموقف ودرجاته بين القوة والضعف وبين مصداقيته العالية لدى الجماهير الشعبية الفقيرة وتضحياتها اللامحدودة من ناحية ومصداقية الاطراف الطبقية الاخرى وسقفها الهابط والمحدود وفق مصالحها من جهة ثانية.

ب- تميز هذا التطور في شكله وجوهره ، بطابع تراكمي كمي مشوه ، بحيث لم يستطع أن يفرز بوضوح ملموس أية أطر برجوازية تنويرية أو ليبرالية ، فكرية ، أو ثقافية معاصرة ، وبقيت القيم والأفكار القديمة والتقليدية الموروثة سائدة في أوساط الوعي الاعتيادي (العفوي) للجماهير الشعبية بالرغم من بعض أوجه الحداثة الشكلية المستوردة التي اسهمت في تعميق حالة التبعية والتخلف الاجتماعي الى جانب الهبوط السياسي ، وفي ظل هذه التراكمات والتطورات الاجتماعية والانتاجية المشوهه بصورة عامة ، لم يكن ممكنا تبلور الطبقة العاملة الفلسطينية تبلورا يؤدي الى توليد وعيها الذاتي بمصالحها (كطبقة) .

ج- برغم تزايد مظاهر التخلف والانحطاط الاجتماعي وما رافق ذلك من توزع الولاءات الشخصية والعشائرية والاستزلام ، في المناطق الشعبية الفقيرة بصورة خاصة ، إلا أن الانقسام الاجتماعي الداخلي ، في جوهره وحقيقته الموضوعية يعبر عن نفسه في صفوف أبناء شعبنا ، في الضفة والقطاع ، على قاعدة توزع السكان في السُلَّم الطبقي أو الاجتماعي ، بين القلة من الأغنياء ، والأغلبية الساحقة من الفقراء ، دون أن يلغي ذلك الانقسام ، خصوصية اللاجئين وقضيتهم الأولى المتمثلة في حق العودة .

د- تعاظم دور الكمبرادور ، والشرائح الرأسمالية الطفيلية بالتحالف مع بيروقراطية السلطة (المدنية والعسكرية) وكبار الملاك والرأسمالية التقليدية القديمة ، في الصناعة والزراعة والخدمات وغيرها من القطاعات، بحيث أن رموز هذا التحالف يشكلون اليوم القاعدة الأساسية –على الصعيد الاقتصادي/الاجتماعي- للسلطة السياسية، ما يفسر النزوع صوب الهبوط السياسي والتعاطي مع اطره وأدواته الخارجية والداخلية.

هـ- تزايد انتشار الفقر الذي لم يتوقف عند الفقر المادي أو الفقر في الدخل بل تخطى هذه الحدود إلى الفقر في القانون والنظام والقيم ، وتزايد التفاوت اتساعا بين مستويات المعيشة ، وخاصة في مناطق شمال وجنوب الضفة وخاصة طولكرم وجنين رمز المقاومة والصمود ، وفي جنوب القطاع وبصورة خاصة في رفح الباسلة ومخيمها المقاوم. الى جانب ذلك نلاحظ استمرار التفاوت الاجتماعي –في سياق التخلف التاريخي- بين الجنسين لصالح الذكور بصورة صارخة .

و- ونتيجة تراكمات العشر سنوات الماضية ، تسود مجتمعنا اليوم سلوكية أنانية تتسم بالراهنية أو اللحظة ، تهتم بحل قضايا الأجل القصير دون أن تعطي الاهتمام المطلوب لقضايا المستقبل ، فمع تزايد مظاهر التخلف الاجتماعي ، تراجعت العلاقات القائمة على أساس المشروع الوطني والعمل الحزبي المنظم – وتراجع دور الأحزاب الوطنية عموما واليسارية خصوصا– لحساب العشيرة والعائلة ، وقيم النفاق والإحباط وقوة التخلف الظالمة بدلا من قيم التكافل والتضامن والمقاومة . ترافق إلى جانب ذلك ، غياب المجتمع السياسي الفلسطيني ليحل محله – في الفترة الأخيرة قبل واثناء انتفاضة أيلول 2000 – مجتمع الفوضى والانفلاش والثروة الشخصية – على قاعدة أن السلطة مصدر للثروة وليست مصدرا للنظام والقانون والعدالة – إلى جانب الجرائم والانحرافات بكل أنواعها الأخلاقية والمجتمعية التي لم يعرفها مجتمعنا من قبل .

ز-تدني حجم ونسبة الخدمات المقدمة للمناطق الفقيرة في الضفة والقطاع ، فقد بلغ عدد التجمعات السكانية التي يوجد لها سلطات محلية في الأراضي الفلسطينية 495 تجمعا سكانيا أي بنسبة 72,16% من مجموع التجمعات السكانية البالغ 686 ، وقد توزعت السلطات المحلية حسب نوع السلطة في الضفة بواقع 92 مجالس بلدية ومحلية ، 360 مجلسا قرويا أو لجنة للمشاريع ، 19 مديرا للمخيمات ، 191 تجمعا بدون سلطة محلية ، أما في قطاع غزة فقد بلغت 16 مجلسا بلديا و8 مجالس قروية و8 مدراء للمخيمات .

ح- وصلت نسبة العاملين في القطاع الحكومي إلى حوالي 18 % (حوالي 135 ألف موظف مدني وعسكري) من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية البالغة في نهاية عام 2003 ( حوالي 744 ألف شخص ) و هي نسبة بالغة الارتفاع بالنظر إلى عدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني المحلي على تمويل عمالة حكومية مرتفعة ، خصوصاً و أن الرواتب تستحوذ على أكثر من 60 % من مخصصات الإنفاق الجاري من جهة ، إلى جانب أن معظم التعيينات و الوظائف لا يحكمها قانون يقوم على أساس تكافؤ الفرص بل هي مخصصة أساسا وبالدرجة الرئيسية لحزب السلطة بمعناه الواسع الذي يضم حركة فتح و مجموعات متنوعة من المحاسيب و أبناء و أقارب كبار المسؤولين ممن يعيشون أوضاعاً مريحة في حين يحرم من هذه الوظائف مستحقيها من الفقراء الذين لا واسطة أو محسوبية لديهم رغم كفاءتهم و شهاداتهم العليا أو خبراتهم.

ط- تبين المعطيات الصحية – في الضفة و القطاع – على استمرار محدودية عدد الأطباء بالنسبة لإجمالي عدد السكان الذي لا يتجاوز ( 115 ) طبيب لكل مائة ألف من السكان ، في حين أنه يصل في مصر إلى أكثر من 215 طبيب لكل مائة ألف ، و في إسرائيل يرتفع إلى أكثر من 500 طبيب لكل مائة ألف ، ناهيك عن النقص في المعدات والاجهزة الطبية المتخصصة، والنقص في تأمين الدواء و العلاج و الأسرَّة في المستشفيات حيث تشير المعطيات إلى أن هناك فقط سرير واحد لكل ألف مواطن ، و هو أمر له انعكاساته و مدلولاته الاجتماعية الخطيرة خاصةً في ظل حرمان الفقراء من التأمين الصحي ( بسبب ارتفاع كلفته عليهم ) إذ لا تزيد نسبة الأسر المغطاة بالتأمين الصحي الحكومي عن 40 % في الضفة ، و 60 % في غزة ، و هذا يعني أن حوالي (2)مليون فلسطيني في الضفة والقطاع  محرومين من التأمين الصحي ( أي حوالي 54% من مجموع سكان الضفة و القطاع) .

ي- و في ما يتعلق بمؤشرات الجريمة ، التي لم تتراجع أو تقل نسبتها ، في رأينا ، بسبب تزايد سطوة المتنفذين من رموز الاستزلام في أوساط بعض الاجهزة الامنية الى جانب بعض العشائر و الحمائل و العائلات – على مستوى الضفة و القطاع في الأوساط الشعبية الفقيرة المستضعفة بصورة خاصة – و انتشار السلاح بصورة فوضوية وضارة في أوساطهم إلى جانب دور بعضهم في عمليات التهريب غير المشروعة بكل أنواعها ، و صمت الأجهزة الأمنية – بل و تواطئها أحيانا وتخاذلها أحياناً أخرى في مواجهتهم – كل ذلك أدى إلى تزايد نسبة الجريمة و انتشار الزعران " و القبضايات " ذات الطابع العشائري و السلطوي معاً في إطار واحد ، ومما يلفت النظر والاهتمام ان خمس المتهمين من الأحداث ، أكثر من نصفهم في الفئة العمرية 16-18 سنة ثلثيهم أمّي ،أو تسربوا من المدارس بعد المرحلة الأساسية ، و غالبيتهم ينتمون إلى اسر كبيرة العدد الفقيرة و المعدمة .

 

كل ما تقدم ، و غيره الكثير من التفاصيل الحياتية المجتمعية ، يؤكد على ثقل العبء الذي يجب ان تتحمله قوى اليسار الفلسطيني، حيث ان دوره في الجانب الاجتماعي لا يقل أهمية و خطورة عن دوره في جانب التحرر الوطني وحق العودة والتمسك بـ م.ت.ف ككيان سياسي ووطن معنوي لابناء شعبنا في الشتات ، و هو أيضاً يعزز رؤيته لطبيعة هذه المرحلة، كمرحلة تحرر وطني و ديمقراطي ، عبر العلاقة الجدلية بين التحرر الوطني و البناء المجتمعي القائم على الديمقراطية و العدالة و سيادة القانون و النظام العام و تكافؤ الفرص .

بهذا التشخيص و التحليل للأوضاع و التحولات الاجتماعية نكون قد قدمنا لمظاهر وسمات التحولات الاجتماعية الفلسطينية وبعض عناوينها الرئيسة، كمدخل يمكننا من استكمال الركيزتين الفرعيتين الأساسيتين المرتبطتين بالأوضاع و التحولات الاجتماعية ، و نقصد بهما التوزيع السكاني ، و الطبقي لمجتمعنا الفلسطيني ، في هذه المرحلة ، آخذين بعين الاعتبار أن الحديث عن تنوع و تداخل مكونات الخارطة الطبقية الفلسطينية هو أمر قابل للمراجعة دوما ،في ضوء هذه المتغيرات الداخلية و الخارجية التي نعيشها اليوم و في المستقبل .

 

أ- التوزيع السكاني :-

 بالاسترشاد بتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني[1] قمنا باحتساب  عدد سكان الضفة و القطاع في نهاية العام 2003 (على أساس نسبة الزيادة السكانية 4.5%) وعليه فإن تعداد السكان  يبلغ 3.721.543 نسمة كما يلي :

 

- مجموع سكان الضفة   2.356810 ( يبلغ عدد اللاجئين[2] 669665 نسمة أي بنسبة 28% من سكان الضفة) .

 


- مجموع سكان القطاع   1.364733 ( يبلغ عدد اللاجئين 941671 نسمة أي بنسبة 69%[3]من سكان قطاع غزة) .

أما نسبة اللاجئين الى مجموع السكان في الضفة والقطاع ، فيبلغ 43.3% .

       -الإجمـــالـــي 3.721.543 ( حوالي 572500 أسرة ) يشكل السكان المقيمون في المناطق والتجمعات الحضرية حوالي 45% و 15.9% في المخيمات بينما يشكل سكان التجمعات الريفية حوالي 30.1% من عدد السكان الكلي[4] .

 

         أما بالنسبة لمجموع الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية ، فقد بلغ في نهاية عام 2003 ( 5.031743 نسمة ) وبالمقارنة مع مجموع سكان " إسرائيل " من اليهود البـالغ ( 5.370000 نسمة ) كما في نهاية عام 2003 ، فإن نسبة السكان الأصليين من  الفلسطينيين العرب الى إجمالي عدد السكان تبلغ 48.4% ، مقابل 51.6% لليهود حسب الشكل البياني التالـي :

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وتشير التوقعات والدراسات والديمغرافية الى أن هذه النسبة سترتفع الى 55.6% عام 2015 في حين إن نسبة اليهود ستنخفض الى 44.4% وبالأعداد المطلقة فإن التوزيع السكاني في عام 2015 بإفتراض نسبة زيادة سكانية 4% للفلسطيين داخل أراضي ( ألـ 48 ) ، و 4.5% للسكان في الضفة والقطاع فإن مجموع السكان الفلسطينيين في فلسطين التاريخية سيصل الى( 8,533,239 ) نسمة في حين أن عدد اليهود سيصل الى ( 6,810,458 ) نسمة كما يوضح الرسم البياني التالي :

 

 

توزيع السكان في الضفة والقطاع حسب فئات العمر :

 

إجمالي الأراضي الفلسطينية

            

قطاع غزة

الضفة الغربية

           

سنوات العمر

العدد

%

العدد

%

العدد

%

1,726,796

46.4

678,272

49.7

1,053,494

44.7

0-14

1,871,936

50.3

648,248

47.5

1,220,828

51.8

15-64

122,811

3.3

38,213

2.8

82,488

3.5

65 +

3,721,543

 

1,364,733

 

2,356,810

 

 

               

 

    من الجدول أعلاه ، يتضح أن نسبة الفتوّة ( أقل من 15 سنة ) في أوساط شعبنا الفلسطيني ، تبلغ 46.4% [5] ( 1.726796 نسمة ) ، في حين أن نسبة القوة البشرية ( 15 سنة – 64 ) تبلغ 50.3% ( 1.871936 نسمة) ، و في هذا السياق فإن القوة البشرية تنقسم إلى مجموعتين : المجموعة الأولى تضم من هم خارج القوى العاملة ، أو الأفراد خارج إطار النشاط الاقتصادي مثل الطلاب و ربات البيوت و المرضى و المعوقين ممن بلغت أعمارهم 15 سنة فأكثر .

 

   أما المجموعة الثانية فتشمل جميع الأفراد النشيطين اقتصادياً الذين ينتمون لسن العمل و ينطبق عليهم مفهوم العمالة و البطالة ، و يطلق على هذه المجموعة اسم القوى العاملة التي تقدر في نهاية عام 2003 بحوالي 744300 شخص أو ما يعادل 20%[6] من مجموع السكان ، تتوزع بواقع ( 471362 ) شخص عامل في الضفة ، أي بنسبة 63.3% من إجمالي القوى العاملة ، وبواقع 272946 شخص عامل في قطاع غزة ، أي بنسبة 36.7 % ، الأمر الذي يعني أن معدل الإعالة الفعلي – في الضفة والقطاع - يبلغ 1 : 5 تقريبا ، أي أن كل فرد يعمل يعيل خمسة أفراد ، ويرتفع هذا المعدل إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع نسبة البطالة كما في عام 2002 إلى 31.3%[7]،  أو ما يقدر بحوالي 250 ألف عاطل عن العمل ، بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي ، حيث ترتفع نسبة الإعالة في هذه الحال إلى 7.5 فرد لكل عامل ، و نشير هنا إلى أن هذه النسبة تكاد تمثل استنتاجاً ميكانيكياً أو كمياً حسابياً  لا يعبر عن الواقع الموضوعي بصورة حقيقية ، حيث أن الواقع الفعلي يقول لنا أن هناك آلافاً من الأسر بلا معيل – بسبب الاستشهاد أو الاعتقال والسجن أو الإعاقة - و بلا أي دخل نتيجة استمرار أوضاع الحصار والمعاناة والبطالة والفقر في الظروف الراهنة .

و المعروف أن نسبة العمالة التامة والجزئية – قبل الانتفاضة في أيلول 2000 – وصلت إلى 85,8 % ، و البطالة لم تتجاوز 14,2% ، و قد أدى الحصار العسكري و الاقتصادي الذي مارسه العدو الصهيوني منذ نهاية أيلول 2000 ، إلى ارتفاع نسبة البطالة الى 45% عام 2001 [8] ، هبطت هذه النسبة عام 2002 الى 31.3[9] أو ( 221291 ) الف عامل من أصل ( 707000 ) شخص مجموع القوى العاملة آنذاك ، موزعة على الأنشطة الاقتصادية كما يبين الجدول أدناه .

 

 

 

 

 

 

 

 

جدول رقم ( 2 )، التوزيع النسبي للعاملين من الأراضي الفلسطينية حسب النشاط الاقتصادي[10] قبل الانتفاضة وبعدها .

نسبة التغيير

( 2000 – 2001 )

بعد الانتفاضة

قبل الانتفاضة

2000(%)

النشاط الاقتصادي

2002(%)

 

2001(%)

 

-1.7

14.8

12

13.7

الزراعة والصيد والحرجة

-.3

12.9

14

14.3

التعدين والصناعة التحويلية

-5.1

10.9

14.6

19.7

البناء والتشييد

+2.1

20

19.4

17.5

التجارة والمطاعم والفنادق

+.6

5.5

5.5

4.9

النقل والتخزين والإتصالات

+5.4

34.5

34.5

29.9

الخدمات والفروع الأخرى

 

وبالاسترشاد بتقرير القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني[11] ، بخصوص توزيع القوى العاملة حسب عدد سنوات الدراسة ، فإن الأفراد النشيطين اقتصاديا أو القوى العاملة البالغة 744300 [12] في الأراضي الفلسطينية كما في نهاية هذا العام 2003، تتوزع كما يلي :-

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد

بيـان

النسبة المئوية

33,494

لم يدرس أبدا

4.5%

164,490

درس من سنة الى ست سنوات

22.1%

139,376

7-9 سنوات دراسية

24.1%

200,961

10-12 سنة دراسية

27%

165,979

أتم 13 سنة دراسية فأكثر

22.3%

744,300

إجمالي القوى العاملة

100%

 

ب- التركيب الاجتماعي (الطبقـي) :

1- الطبقة العاملة :

الكدح ، و البؤس و الشقاء و المعاناة والتشتت أو التبعثر في تجمعات أو ورش صغيرة وشبه عائلية ، وغياب حالة الاستقرار أو الثبات في العمل ، وعدم التحاق معظمهم في الأطر النقابية ، بهذه الصفات اتسمت أوضاع عمالنا الفلسطينيين في الوطن و الشتات ، إذ طالما عانوا من الفقر و البطالة و من تدني الأجور و غياب التشريعات المنصفة لحقوقهم . الامر الآخر الواجب الاشارة اليه ، هو عدم تبلور طبقة عاملة فلسطينية بالمعنى الموضوعي الذي يحمل في طياته وعيها لمصالحها كطبقة ومن ثم وعيها لدورها المحدد في سياق النضال الوطني الديمقراطي، ويعود السبب الرئيسي في هذا الوضع الى ضعف وتدني تطور قطاع الصناعة الفلسطيني .

بلغ مجموع القوى العاملة الفلسطينية ، في الضفة والقطاع ، في بداية عـام 2004    (744300)* عامل ، وبلغت نسبة البطالة في عام 2002 ، (31.3%) ، ارتفعت في نهاية 2003 بسبب تفاقم همجية العدوان واستمرار الحصار الى حوالي 35% او ما يعادل (260) ألف عامل يعيلون بصورة مباشرة مالا يقل عن ثلاثة افراد لكل منهم –كحد ادنى- اي ما يوازي (780) ألف شخص ، وهذا يعني تزايد واتساع معدلات الفقر ، والفقر المدقع كما يشهد على ذلك حالة الفاقه والحرمان التي يتعرض لها اكثر من 50% من ابناء شعبنا في الضفة وقطاع غزة عموما ، ترتفع هذه النسبة الى 70% في قطاع غزة .

 

 ونظرا لثبات الأجور –في الضفة والقطاع- التي تتراوح بين 25-**40 شيكل للعمال العاديين ، وبين 40-65 شيكل لأصحاب المهن من العمال الفنيين من ذوي الاختصاص ، فإن أكثر من 60% من مجموع الطبقة العاملة في السوق المحلي الفلسطيني يعيشون دون مستوى خط الفقر ، المحدد بحوالي 1400 شيكل شهريا للأسرة المكونة من ستة أفراد ، في حين أن 40% منهم يعيشون عند مستوى خط الفقر المحدد بحوالي 1650 شيكل للأسرة ، آخذين بعين الاعتبار أن أجور عمال القطاع بالنسبة لزملائهم في الضفة ، أوالعاملين في إسرائيل ، هي الأدنى ، فالمعروف أن نسبة أجور عمال قطاع غزة إلى أجور عمال الضفة تبلغ 80% ، وبالنسبة إلى أجور العاملين في إسرائيل فهي 49.7% فقط ، ومع ملاحظة استمرار التراجع في مستوى المعيشة ، إلى جانب استمرار تصاعد الرسم البياني للغلاء وارتفاع الأسعار ، مع ثبات الأجور طوال السنوات الأخيرة ، سنتبين عمق البؤس الاجتماعي العام الذي يعيشه عمالنا عموما وعمال قطاع غزة بصور

 

ة خاصة الذي يشهد أعلى معدلات الفقر في المجتمع الفلسطيني ، بما يفرض ، إيلاء قضايا الطبقة العاملة اهتماما إضافيا في برنامج ومهام ، يهدف إلى رفع أجورهم ومستوى معيشتهم عبر توعيتهم ، وإشراكهم في العمل العام والنقابات والعمل المنظم دفاعا عن مطالبهم وحقوقهم .

 

وفي هذا السياق يتوجب الاشارة الى ان الفقر لا يتوقف عند نقص الدخل ، وانخفاض مستوى المعيشة فحسب ، بل يشمل غياب الإمكانات لدى العامل وأسرته ، للوصول إلى الفرص الحياتية الضرورية لحياة مقبولة مثل تعليم الأبناء والرعاية الصحية وتأمين المشاركة النشطة في الحياة المجتمعية ، خاصة ، وأننا نعرف جيدا أن الحديث عن الطبقة العاملة ومعاناتها وفقرها ، هو حديث عن مكان إقامة هؤلاء الفقراء في المخيمات والمناطق الفقيرة من مدن وقرى الضفة والقطاع ، وهو أيضا وقبل كل شئ حديث عن القاعدة الاساسية المؤهلة للتغيير الديمقراطي المنشود ، ونقصد بذلك الطبقة العاملة ، والفقراء والكادحين عموما الذين كانوا –وما زالوا- في طليعة نضال شعبنا في تاريخه القديم والحديث والمعاصر .

 

أخيرا ، وفي سياق الحديث عن الطبقة العاملة ، فإننا لا نستطيع إغفال أن الكثير من المصاعب والمصائب الاقتصادية والاجتماعية ، تكبل شرائح واسعة من عمالنا ، الذين يعيشون تحت خط الفقر بالذات ، وتحكم عليهم بتجرع المعاناة اليومية ، بحيث يمكن تحولهم –بصورة تدريجية واكراهية- إلى مجموعات اجتماعية معدمة ، يسود في اوساطها ما يمكن تسميته بظاهرة الانفصال الطبقي وما يرافقها من مشاعر ومواقف عفوية سالبة تجاه مجتمعهم المحيط، ، لذلك لا غرابة –إذا استمرت حالات الفقر والإفقار عندنا- بوتائرها الراهنة ، من تشكل كتلة ثابتة من السكان –خاصة في قطاع غزة والمناطق الأكثر فقرا في الضفة- لا يتميزون بمعاناتهم وبؤسهم فحسب ،وإنما قد يتراكم في وعيهم العفوي البسيط ، بحكم شدة البؤس ، حالة من الشعور بالانفصام عن المجتمع المحيط ، خاصة وأن "الوضع المعيشي الصعب وانعدام اليقين حول المستقبل الوطني –بعد حوالي أربع سنوات من الانتفاضة- ، يدفع بقطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني ، وتحديدا الفئات العمالية العاطلة عن العمل والمهمشة ، الى منح الأولوية للقضايا المعيشية –بأي ثمن- على حساب القضايا الديمقراطية"[13] ، وعلى حساب القضايا الوطنية أيضا ، بما يشير إلى إمكانية تحولهم إلى "بروليتاريا" رثة ، حالة من المعدمين الذين يسهل استغلالهم في كل أشكال الجرائم المنظمة وغير المنظمة ، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية بما في ذلك تحولهم إلى مادة للتخريب من قبل العدو ، إذا لم يجدوا من يأخذ بيدهم ويدافع عن قضاياهم من أجل تحسين أوضاعهم ، عبر الوعي والمعايشة والتنظيم في الأطر النقابية ، والجماهيرية ، والحزبية .

 

2- الشرائح الاجتماعية المتوسطة أو طبقة البرجوازية الصغيرة :

 حول مصطلح ومفهوم هذه الطبقة :

 

بداية نشير إلى أن استخدامنا لمصطلح "طبقة" سواء في الحديث عن العمال أو البرجوازية بأنواعها ، هو استخدام مجازي ، حيث لا وجود لطبقات محددة بالمعنى الوجودي الذاتي والموضوعي في بلادنا ، الذي يعبر عن مصالح ورؤى ومواقف أيديولوجية محددة ، فطالما تعيش آلاف (أو ملايين) العائلات في ظروف اقتصادية لا تعبر أو تميز مصالحها أو نمط حياتها ومستوى تعليمها ، ولا تمثل النقيض أو تواجه نمط حياة ، ومستوى تعليم الطبقات الأخرى ، وطالما بقي التخلف أو القدرية أو النمط القديم مسيطرا ، ولا تتوفر إمكانية التجانس الفكري والسياسي والمصلحي عبر وحدة محددة فيما بينهم على أساس علاقة مؤطرة داخل المجتمع ، محلية أو وطنية ، أو قومية ، ولا وجود لتنظيم سياسي يعبر عنهم ، فهم –كما يقول ماركس- لا يشكلون طبقة بأي حال من الأحوال ، فالطبقات الاجتماعية –كما يقول المفكر الماركسي نيكولاس بولانتزاس- هي مجموعات من العاملين الاجتماعيين الذين يحددهم بشكل رئيسي لا حصري موضعهم في مسار الإنتاج ، أي في الميدان الاقتصادي بصورة اساسية .

 

والواقع أنه يجب أن لا نستنتج من الدور الرئيسي للموقع الاقتصادي أن هذا الموقع يكفي لتحديد الطبقات الاجتماعية ، صحيح أن للعامل الاقتصادي –حسب النظرية الماركسية- الدور الحاسم في نمط معين من الإنتاج وفي التشكل الاجتماعي ، ولكن العامل السياسي والأيديولوجيا والبنية الفوقية عموما –كما تقول الماركسية أيضا- لها دور بالغ الأهمية ، إذ أن الطبقات الاجتماعية تنطوي على ممارسات طبقية أو صراع طبقي ، ولا تتبدى إلا في هذا الصراع والتناقض، وهو مضمون ما زال خافتا في مجتمعنا بحكم عوامل التناقض الرئيسي مع العدو ، وعوامل التخلف وتداخل الأنماط القديمة ، وتغلغل المفاهيم والعادات السلفية الغيبية ، والتبعية أو حالة الاحتواء التي نعتقد أنها السبب الرئيسي في عدم إنضاج الظرف الذاتي للتبلور الطبقي في بلادنا وبلدان الوطن العربي كله ، علاوة على استمرار تراكم عوامل التخلف فيها ، ونموه ، بصورة غير اعتيادية .

 

وفي تناولنا لطبقة "البرجوازية الصغيرة" نقول –في السياق النظري العام- إنها طبقة محددة ولها تاريخها القديم (كمهنيين وحرفيين منتجين للسلع) ، وهو تاريخ أعرق من تاريخ القوتين الرئيسيتين للمجتمع الرأسمالي (الرأسمالية والبروليتاريا) ، ولكن تطورها الحديث –في القرن السادس عشر- عبر التراكم الواسع في نظام الإنتاج السلعي الصغير والحر ، وفَّر إمكانية انتقال المجموعات المنتجة فيها ، إلى الطور أو المرحلة الرأسمالية التي تخطت بصورة هائلة كل إمكانات البرجوازية الصغيرة وإنتاجها المحلي الصغير .

 

لذلك فإن قضية البرجوازية الصغيرة ، هي قضية تتناسب أو ترتبط بالملكية الصغيرة ، فالبرجوازي الصغير بتفكيره المثالي ، صاحب ملكية –بما فيها وسائل الإنتاج- لكنه يعمل بنفسه وهو موجود في بلادنا بشكل رئيسي في مجال الخدمات والتجارة ، وبالتالي فهو مالك وشغيل ، رب عمل ، وعامل ، مهني صغير ، موظف ، أو ضابط ، أو طبيب أو محامي أو مهندس … الخ ، طالب جامعي أو مثقف ، ولذلك فإن التردد ، أو الموقف التوفيقي والحلول الوسط والتقلب وعدم الاستقرار ، والتذبذب ، والانتهازية والتطرف أو الاندفاع السريع ، والهبوط أو التراجع السريع أيضا ، والتسويات والمواقف اللامبدئية ، من اهم مواصفات البرجوازي الصغير ، حسب الظرف الزماني وحسب المكان والعلاقات المحيطة به ، فهو مسلم متعصب في ظروف معينة ، وهو يساري متطرف في ظرف آخر ، أو هو توفيقي وسطي في ظروف أخرى ، والأمر لا يتوقف –على هذه الشاكلة- عند غير المنتمين لأحزاب ديمقراطية أو يسارية فحسب ، بل إننا يمكن أن نلاحظ هذه الظاهرة المتناقضة داخل أحزاب أو فصائل يسارية لها تاريخ نضالي ، حينما تتراجع الهوية الفكرية لهذه الفصائل ، أو لا تتوافر الأسس التنظيمية والفكرية والسياسية المُوَحِّدة للعلاقات الداخلية والتجانس والتوافق الموضوعي في العلاقات الداخلية بين اعضائها ، إذ أن غياب هذا التوحد التنظيمي و السياسي والفكري الداخلي يوفر كل الفرص لتوليد روح الشللية والمغامرة والتكتل وما تشكله هذه المظاهر من مخاطر جدية على حياة ومستقبل الحزب ، باعتبارها مظاهر أو تجليات لروحية وممارسات البرجوازية الصغيرة في أبشع صورها ، لأنها تفسد الوعي والانتماء الطبقي للكادحين والفقراء والجماهير الشعبية ، وتجعل الحزب غير قادر على اتخاذ موقف متماسك في مواجهة التناقضات والصراعات الداخلية والخارجية ، نقول ذلك ، لأن التغلب على هذه المظاهر الضارة –للممارسات البرجوازية الصغيرة لا يقل أهمية- وضرورة عن مواجهة الخلل والفساد الداخلي الذي نتحدث عن مواجهته في مجتمعنا .

 

إن قضية البرجوازية الصغيرة إذن ، هي قضية الحرفيين ، وصغار المنتجين وصغار الموظفين والفلاحين والمهنيين بمختلف أنواعهم ، والطلاب الجامعيين ، والمثقفين عموما ، وكل هذا الكم الواسع من الناس يشكلون هذه الطبقة ، أكثر الطبقات عددا وأوسعها نفوذا وأثرا فمنها –على الأغلب الأعم - تتشكل بنية الأحزاب اليمينية الدينية السلفية الرجعية ، والمستنيرة ، والأحزاب الوطنية الوسطية المهادنة للسلطة أو النظام، والأحزاب الوطنية/القومية الديمقراطية اليسارية ، سواء عندنا في فلسطين ، أو في بلدان الوطن العربي ، أو في العالم الثالث عموما ، وليس معنى ذلك أن هذا الوجود والانتشار الواسع لهذا الحزب اليميني الديني أو الوسطي السلطوي يعود الى الوجود الموضوعي للطبقة البرجوازية الصغيرة ، المسألة ليست كذلك ، إذ أن الظروف الموضوعية ، ظروف الهزيمة والأزمات المتلاحقة الوطنية والداخلية الاجتماعية بكل مظاهرها الرجعية والدينية الغيبية ، والتراجع العام في دور الأحزاب اليسارية وانهيار المنظومة الاشتراكية ، والهيمنة –الراهنة والمؤقتة- للأحادية الأمريكية في ظل العولمة ، ودعمها اللامحدود للعدوان والتوسع الصهيوني في بلادنا ، وتعمق تبعية النظام العربي وارتهانه للمصالح الإمبريالية الى درجة الاحتواء، كل هذه العوامل كانت المقدمات والأسباب التي وفرت اسباب الهزيمة المؤقتة الذي تعيشها أمتنا اليوم ، وفي هذا المناخ توفرت كل عوامل وأدوات "بناء" هذه الأحزاب والحركات اليمينية الدينية وغيرها من الاحزاب اليمينية المعبرة عن مصالح القوى الطفيلية والكومبرادور والبيروقراطية المهيمنة في كل بلداننا العربية.

 

إننا إذ نعي هذه الحقائق ، ندرك صعوبة وتعقيدات الواقع الراهن ، وحجم العبء الملقى على عاتق قوى اليسار العربي الديمقراطي ،أو حركة الاشتراكيين العرب مستقبلا، لكننا ندرك –وبعمق أكثر- أن تفعيل وجود هذه القوى هو الشرط الاول في عملية تغيير هذا الواقع، إذ أن هذا الوجود هو وجود تغييري لهذا الواقع ، وجود يجسد التعبير الحقيقي عن المستقبل الذي تتطلع اليه الجماهير الشعبية ، بعيدا عن برامج وسياسات البرجوازية الصغيرة ، التي تتأرجح دوما بين موقفين متناقضين ، بين التقدم والتراجع ، وبين التغيير الديمقراطي والجمود ، بين الثورة والاستسلام ، وبالتالي فإن موقفها تحسمه دائما الظروف التي تحدد تلك المواقف سلبا أو إيجابا ، وذلك يعتمد - إلى حد كبير- على الدور الراهن والمستقبلي لقوى اليسار الفلسطيني والعرب، في تغيير هذه الظروف ، بصورة نوعية ، لكي تصبح هذه القوى في  واقعها ومكوناتها التنظيمية والفكرية الداخلية وفي ممارساتها اطارا معبرا بثبات ووضوح وحزم عن مصالح الجماهير الشعبية الكادحة وكل الفقراء والمضطهدين في بلادنا.

 

الشرائح البورجوازية الصغيرة في المجتمع الفلسطيني :

تشكل هذه الشرائح ، المساحة الأوسع ، والحجم الأكبر ، في مجتمعنا الفلسطيني ، فهي تتكون – كما سبق أن أوضحنا – من جموع صغار الحرفيين والموظفين المدنيين والعسكريين ، والتجار والمهنيين بكل انواعهم …. الخ في الضفة والقطاع ، مع مراعاة الخصائص والسمات التي ترتبط بهذه الطبقة في مجتمعنا ونقصد بذلك المستوى المتدني من التطور الرأسمالي من جهة ، والمستوى المتدني لحياة أو مستوى معيشة الغالبية العظمى لشرائحها بما يؤثر في التركيب الاجتماعي عموما ، وفي تركيب هذه الطبقة بصورة خاصة لان طبيعة تكوينها وتشكلها ، تتميز بضعف إنتاجيتها الناجم عن عدم امتلاك البورجوازية الصغيرة عموما ، قاعدة اقتصادية منتجة ، إذ أن هذه الطبقة – رغم ضخامة حجمها واتساعها ، لا تسهم بأي دور مركزي أو مؤثر في إطار الطبقة أو السلطة المسيطرة ، رغم انصياع القطاع الأكبر منها ، للدفاع عن سياسات السلطة والمجموعات المسيطرة فيها ، وتفسير هذا الموقف يعود إلى أن السلطة هي رب العمل – المباشر وغير المباشر - للبورجوازية الصغيرة بحكم ارتباطها الوثيق بالسوق المحلي بجانبيه العام والخاص ، وبحكم الحرمان المادي والاضطهاد الاقتصادي والسياسي الواقع عليها ، و الناتج عن ضعفها و عدم تماسكها الداخلي و تذبذبها .

 

بالطبع إن إيقاظ الوعي الوطني و الطبقي لدى البورجوازية الصغيرة في مدننا و قرانا و مجتمعاتنا أمر بالغ الأهمية بحد ذاته ، لأن قطاعات كبيرة منها يمكن أن تظل عبر جدلية الاضطهاد و المصالح الحياتية في خدمة السلطة الاستبدادية ، وهو ما يدفعنا إلى الاهتمام بقضايا هذه الطبقة ، و تفعيل دورها خاصةً و أنها تتجاوز بحجمها الواسع نسبة 60% من مجموع السكان في الضفة و القطاع أو حوالي 2.25 مليون نسمة يتوزعون على حوالي      ( 346 ) ألف أسرة بواقع 6.5 فرد للأسرة الواحدة و هو إطار أو تجمع غير متجانس من حيث الدخل أو مستوى المعيشة و ينقسم إلى ثلاثة شرائح أو فئات :-

 

الفئة الأولى أو العليا من هذه الطبقة التي تملك دخلاً شهرياً يبدأ من 2500 دولار شهرياً و لا يتجاوز 5000 دولار ، و لا تتجاوز نسبتها أكثر من 2,5 % من أصل المجموع التقديري للطبقة البورجوازية الصغيرة حوالي (2.25مليون نسمة) وهذه النسبة تشمل المعيلين من الفئات العليا من أساتذة الجامعات و المحامين و المهندسين و الصيادلة و الأطباء ومسئولو ومدراء المراكز ومؤسسات المنظمات غير الحكومية و نواب المجلس التشريعي و التجار و أصحاب المشاغل المتوسطة و كبار الموظفين ( المدنيين مدير عام فما فوق ، و العسكريين عقيد و ما فوق ) و الفلاحين الذين يملكون 20-50 دونم ، وهذه الفئة أقرب إلى السلطة ومواقفها السياسية بصورة عامة .

 

الفئة الثانية أو المتوسطة ، التي تملك دخلا شهريا يبدأ من 1000 $ ولا يتجاوز 2000 $ وتمثل تقريبا حوالي 5% من مجموع التعداد التقريبي للبورجوازية الصغيرة ، وبالتالي فإن مجموع هذه الشريحة المتوسطة يبلغ 110 ألف نسمة ، وتشمل المعيلين أو أصحاب الدخل من الفئات الوسطى من المهنيين والأكاديميين وأساتذة الجامعات والعاملين في المنظمات غير الحكومية وصغار التجار وأصحاب المشاغل الصغيرة والفلاحين المالكين من  5 – 20 دونم ، والموظفين المدنيين من درجة مدير إلى مدير عام ، والعسكريين من رتبة مقدم إلى رتبة العقيد ، وهي فئة يمكن أن تجد في المعارضة الديمقراطية ملاذاً لها .

 

الفئة الثالثة ، أو الشريحة المتدنية / الفقيرة ، من البورجوازية الصغيرة ، التي تملك دخل يبدأ من خط الفقر البالغ 1650 شيكل ( 366 دولار )* شهريا للأسرة ولا يتجاوز ألف دولار وتمثل هذه الشريحة 92,5 %( حوالي (2) مليون نسمة ) من مجموع هذه الطبقة ، وهي شريحة أقرب إلى المعارضة اليسارية الديمقراطية ، ومن الممكن أن تشكل وعاءا هاما لها إلى جانب "الطبقة" العاملة والفلاحين الفقراء.

3-  البورجوازية الكبيرة :

وتتوزع في بلادنا إلى عدة عناوين أو مسميات ، البورجوازية الكومبرادورية التجارية ، البورجوازية الصناعية ، البورجوازية المالية أو المصرفية ، البورجوازية الريفية أو الزراعية ، البورجوازية البيروقراطية ، و هي كلها شرائح عليا في إطار " البورجوازية الكبيرة " عموماً ، آخذين بعين الاعتبار- و كما أشرنا سابقاً– أن تطور و نشأة الفئات الرأسمالية و البورجوازية في إطار النمط أو التشكيلة الاجتماعية لواقعنا الفلسطيني في إطار التشكيلة الاجتماعية العربية تاريخياً ، يعطي لهذه الفئات سمات و خصائص تكوينية تميزها نوعياً ، من حيث الولادة و النشأة و الدور عن مثيلاتها في أوروبا ، إذ لعب تزاوج رأس المال الأجنبي مع رأس المال المحلي ( في مرحلة الاستعمار و ما بعدها ) أدواراً مهمة في تسهيل عملية توسع و نمو " البورجوازيات " المحلية بأنواعها من جهة ، و ساهم بالطبع في ترسيخ جذور التبعية في بلادنا من جهة أخرى ، وهكذا نتفهم كيف تهيأت الظروف الموضوعية لنشأة الجناح الأخطر من أجنحة الرأسمالية الفلسطينية ، والعربية المعروف بـ "البورجوازية الكومبرادورية "[14] ، ومن شدة ما تحمله هذه الطبقة من أدوار خطيرة ( سياسية اقتصادية ) ، تذهب بعض التحليلات إلى حد القول بظهور ما يسمى " بالدولة الكومبرادورية " في النظام العربي الراهن ، نتيجة التداخل العضوي الوثيق بين جهاز الدولة ، وبين البورجوازية الكومبرادورية ، إلى جانب معرفتنا لهذه الطبقة و دورها المتنامي في مجتمعنا الفلسطيني ، و المجتمعات العربية رغم التفاوت بين هذا البلد أو ذاك ، و يطلق عليها في بعض هذه البلدان " البورجوازية السمسارية " أو " بورجوازية الصفقات " كما يقول د.عبد الفضيـل ، او الكومبرادورية من النوع الرخيص التي يمكن ان نسميها "كومبرادورية بازار" كما يقول د.سمير أميـن .

 من ناحية ثانية في فلسطين كما في بلدان الوطن العربي ، فإن الصفة المميزة لجميع شرائح " البورجوازية الكبرى " أو الشرائح الرأسمالية الكبرى[15] - و هو الأكثر دقة – المسماة عموماً بالرأسمالية الطفيلية ، هي عدم اشتغالها بالإنتاج المادي بصيغة مباشرة ، و نظراً لإرتباط نشاطها و دورة أموالها بمجال التداول و ليس الإنتاج ( بالمعنى الرأسمالي المستقل و الواسع ) يكون من الادق الحديث عن شرائح للرأسمالية و ليست للبورجوازية.

 

و هنا لا بد من الإشارة إلى أهمية التفرقة المنهجية – كما يقول د. محمود عبد الفضيل بحق – بين ما يمكن تسميته " بورجوازية الأعمال التقليدية " التي تستند مقومات نشأتها و نموها إلى النشاطات التقليدية الخاصة ، التجارية و العقارية ، المالية ، الصناعية ، و بين ما يمكن تسميته " بالبورجوازية الجديدة " ذات الطبيعة البيروقراطية التكنوقراطية ( العسكرية أو المدنية ) التي تستند عملية نشأتها و تطورها إلى الامتيازات التي تمنحها السلطة أو الدولة الناشئة ، و هذا هو ما يفسر حديثنا أو تحليلنا من أن السلطة الفلسطينية بصورتها الراهنة ،-كما هي حال انظمة البلدان العربية والعالم الثالث عموما- هي جسر للثروة ، لمجموعات غير قليلة من الشرائح العليا المتنفذة من الأجهزة البيروقراطية العسكرية و المدنية ، و لذلك يقال عن النظام السياسي الفلسطيني الراهن ، بأنه نظام السلطة أو دولة السلطة أو الأجهزة ( دولة أو سلطة لحساب الأجهزة أو السلطة الأمنية و المدنية العليا فيها ) و ليست – كما هي الأعراف الدستورية الديمقراطية – السلطة هي سلطة الدولة ، أي أن تكون الدولة أو النظام الدستوري هي الأساس ، و في مثل هذه الأحوال ، تستشري بالطبع كل أطماع " أصحاب السلطة " في الأجهزة أو غيرها ، عبر تحالفهم – العلني و المستتر – مع كل الشرائح الرأسمالية العليا الأخرى من مالية وعقارية وزراعية ومصرفية وتجارية وكبار الملاك… الخ بحيث تأخذ أجهزة السلطة الحاكمة ، عبر تحالفاتها ، وعبر مشاريعها ، التي باتت حديث الناس عند انشائها، مثل مشروع كازينو القمار في اريحا، مشروع الواحة في غزة،  الى جانب الوكالات والشركات التجارية والعقارية  والصفقات والعمولات المرتبطة بها، والتي أثرى أصحابها ثراءا غير معقول –وغير مشروع في معظمه- من حيث تراكمه وحجمه خلال فترة قصيرة جدا قياسا بتطور وتراكم رأس المال والأرباح الناتجة عن مشاريع صناعية أو تجارية في السياق الطبيعي أو الاعتيادي وفق سياسات اقتصاد السوق ، وهي سياسات تفتح المجال واسعا امام الثراء غير المشروع بكل أنواعه .

 

اننا إذن ، أمام حركة متسارعة من تراكم رأس المال الطفيلي القائم على الربح السريع والعمولات والصفقات –الداخلية والخارجية- البعيدة تماما عن إطار التطور الاقتصادي الطبيعي بعدا شاسعا .

 

إن ما نود أن نؤكده في هذه الدراسة، أن التشابك والتداخل العضوي في المصالح بين كافة الشرائح العليا ، الكومبرادورية والمالية والصناعية والزراعية … الخ ، هو تداخل في المصالح الاجتماعية الاقتصادية من جهة ، وهو تعبير عن التوافق السياسي الذي يعبر عن نفسه بهذه الحالة المهادنة للعدو الإسرائيلي التي كانت محطتها الرئيسية أوسلو ، لكنها تدرجت إلى محطات أكثر هبوطا في اتفاق باريس ، وواي بلانتيشتن ، وكامب ديفيد ، وخارطة الطريق ، وهي معرضة اليوم – عبر خطة المجرم النازي شارون- إلى أن تقدم مزيدا من التنازلات –في سياق الانسحاب التدريجي على مراحل !! من غزة فقط!! طالما أن ذلك يحافظ على ثرواتها ومصالحها ويضمن لها استمرار تراكم تلك الثروات والمصالح .

 

من جانب آخر فإن موقف كل هذه الشرائح تجاه جماهيرنا الشعبية وقضاياها المطلبية الديمقراطية ، في الضفة والقطاع بات موقفا معروفا في تمترسه عند التفرد المطلق ، وعند الإصرار على رفض أية متغيرات أو إصلاح داخلي كاستجابة للمطلب الشعبي العام في محاسبة رموز الفساد والإفساد ، أو حتى إجراء انتخابات ديمقراطية للبلديات ، ناهيكم عن المجلسين الوطني والتشريعي، ويبدو ان الاستجابة الاكراهية لخطة "الاصلاح" الامريكية-الاسرائيلية ، بدأت معالمها في التوالد والانتشار بديلا للمطالب الشعبية في الاصلاح والتغيير الديمقراطي.

 

إذن نحن في مواجهة كتلة تستند إلى مواقف طبقية متعارضة مع مصالح شعبنا وتطوره الديمقراطي ، عبر سيطرتها بواسطة الأجهزة الأمنية على الوزارات والمؤسسات وكافة المرافق الحيوية ، وتستمد قوتها فقط من اعتمادها على هذه الأجهزة ، لأن هذه الكتلة الطبقية الممسكة بزمام السلطة ، لا تستند –من الناحية الموضوعية- إلى أي قاعدة جماهيرية بالمعنى الفعلي للكلمة ، وإن تذرعت بحركة فتح –أحيانا، وهو تذرع لا يعني قبول أعداد كبيرة –في اعتقادنا- من حركة فتح ، خاصة من الكوادر الوسطى والقاعدية بممارسات هذه الكتلة الطبقية وآثارها الضارة على مجتمعنا.

 

إننا ندرك بصورة واعية ، أن هذا التحالف البيروقراطي –الكومبرادوري المالي العقاري … الخ المرتبط والمتشابك عضويا مع رموز وأجهزة محددة في السلطة ، لم ينشط ويحقق هذه التراكمات في الثروة الطارئة ، من الفراغ ، بل إن هذا التحالف كان –وما زال- متداخلا في معاملاته وصفقاته المالية والتجارية مع عناصر ومؤسسات أجنبية وعربية إلى جانب العناصر المحلية ، وكل ذلك جرى بالطبع في غياب مناخ النظام السياسي الديمقراطي وغياب سيادة القانون ، والشفافية ، والرقابة والمحاسبة، كما ندرك أيضا، ان هذا الوضع ، هو وضع مؤقت، رغم كل ما يبدو عليه من مظاهر القوة والاستبداد والتفرد والخضوع او الانحناء ، وذلك لقناعتنا بأن هذه السلطة ، عبر ممارستها ، تبتعد بصورة تدرجية وعميقة عن الجماهير ، التي باتت تشعر بانفصامها وعزلتها عن السلطة ، ولكن هذه الحالة المؤقتة ، لن تصل إلى نهايتها دون تفعيل ، وتوسيع ، وتعميق دور القوى اليسارية بالمعنى الذاتي ليتوافق ويتفاعل ويستجيب للشروط الموضوعية ، إذ أن هذه الشرائح الرأسمالية الطفيلية التي تقودها النواة البيروقراطية الحاكمة في السلطة وتحالفاتها ، لا تملك آفاقا للحياة والاستمرارية عبر هذه الممارسات النقيضة لأماني وتطلعات جماهيرنا الشعبية ، إلى جانب ذلك ، فإن كل الدلائل تشير بوضوح إلى محدودية الدور التاريخي لهذا التحالف المرتكز على عوامل الإكراه والقمع، المفتقر –في نفس الوقت- لأي بعد جماهيري حقيقي[16] ، بما يبقيه عاجزا عن تفعيل أي دور مهيمن في السيطرة الفكرية والأيديولوجية من جهة والسياسية والمجتمعية من جهة أخرى .

 

إن تركيزنا –في هذا التحليل- على النواة البيروقراطية ودورها الضار في مجتمعنا ، لا يعني أننا نعطيها دورا مطلقا أو حكما شاملا ، وهذا لا يعني أننا نقلل من خطورة دورها وممارساتها في السلطة طوال العشر سنوات الماضية ، فهي لا شك استفادت من تواجدها المسيطر في أجهزة السلطة ، لكن ذلك الدور وتلك الممارسة –طوال الفترة الماضية وما سبقها- لم يكن ممكنا تحققهما بدون ذلك الدور الأهم والأسبق في وجوده ، ونقصد بذلك الفئات الرأسمالية العليا من الكومبرادور وحلفائها من كبار الملاك ورجال المال والمصارف والعقار ، فهذه الفئات الرأسمالية الكبيرة تعرف دائما –عبر وعيها لمصالحها الأهم عندها من مصالح الوطن- كيف تُسخِّر الأجهزة الحكومية ، في السلطة أو في غيرها ، سواء إبان فترة الاحتلال، أو حتى أيام سنوات الخمسينيات والستينيات في الضفة والقطاع ، ذلك هو دورها التاريخي الباحث فقط عن تراكم مصالحها التي لا تعرف حدودا أو آفاق ، والبيروقراطية هنا تقوم بدورها في خدمة هؤلاء لحين تراكم الثروة ، وتطابق المصالح كما حصل عندنا ، لذلك فالوزن والتأثير والمخاطر ، تتمثل أولا ودائما في الفئات الرأسمالية الكبيرة في القطاع الخاص بشقيه المحلي والأجنبي ، وذلك هو دور هذا القطاع في المرحلة الراهنة و خاصة في ظل سيادة العولمة و نظامها وفق قواعد الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق الحر بلا ضوابط أو قيود.

 

المسألة الأخيرة في هذا العنوان ، تتعلق بما يسمى بالحراك الاجتماعي أو بالمتغيرات والتطورات الاجتماعية المتسارعة في مجتمعنا ، راهنا ، ودورها في توفير "الفرص" لشرائح بيروقراطية عليا ، في الإثراء السريع ، وهي متغيرات ذات سمات خاصة تشكلت ونمت في ظروف التخلف الاجتماعي وما يرافقه من ضعف تطور السوق الداخلية والعلاقات السلعية والنقدية ، التي ظلت مرهونة –بهذه الدرجة أو تلك- للنفوذ السياسي/الاجتماعي/الاقتصادي بدور رموز الكومبرادور والعائلات التقليدية من كبار الملاك والعشائر وتحالفها مع السلطة البيروقراطية الحاكمة ، سواء خلال الحقبة الماضية من الاحتلال ، أو في مرحلة السلطة ، مما خلق هذه الطبيعة المشوهة للاقتصاد من جهة ، وللعلاقات الاجتماعية من جهة أخرى ، والأهم من ذلك ، أن هذه الحالة ، أنتجت صوراً مشوهة أيضا "للبرجوازي" في بلادنا ، بحيث يصعب رسم الحدود بينه وبين بقية الفئات الاجتماعية ذات الدخل العالي الناتج عن التهريب أو الرشوة أو أي شكل من أشكال الدخل الطفيلي أو الثراء السريع ، فكل هؤلاء يصبحون مكونات لصورة أو لوحة واحدة في إطار محدد خاصة مع توفر إمكانية "قبولهم" في المجتمع بحكم عوامل المصلحة والتخلف التي تبرر هذا الثراء غير المشروع باسم "النجاح والشطارة" أو "الحظ والنصيب" وهو في كل الأحوال تبرير ظاهري لا يعبر عن حقيقة وعي الجماهير برموز ذلك الثراء ومصادره وأدواته .

 

من ناحية ثانية فإن هذا "البرجوازي" الجديد أو الطارئ (الطفيلي والمشوه) يتوافق بسرعة مع الطبيعة الرجعية للبرجوازيين أو "الأفندية" القدامى والتقليديين التي لا تؤمن بالديمقراطية او التقدم، ومن هنا تفسير موقفهم التحالفي الموحد للنظام الاستبدادي الفردي في السلطة الفلسطينية الآن أو اي نظام او مجموعة قيادية اخرى قد تفرض على شعبنا في المرحلة القريبة القادمة، كإطار ينسجم مع تشوه وتبعية علاقاتهم الطبقية وتخلفها ، بمثل ما يحمي ويعبر عن مصالحهم .

 

في كل الاحوال، فإن استمرار البحث والمتابعة لمكونات واقعنا الاجتماعي، مسألة في غاية الاهمية ارتباطا بدواعي التغيير المستقبلي المنشود، ذلك إننا وإن كنا نلتزم بالماركسية اللينينية، ونتفق معها في تحليلها لمؤشرات الانتماء الطبقي في سياق حديثها عن التشكيلات الاجتماعية للبشرية ، إلا أننا –وبمنهج الماركسية أيضا- يجب أن نتعاطى مع واقعنا ، برؤية وتحليل موضوعي يعكس تفاصيل هذا الواقع وإلا وقعنا في خطأ التطبيق الآلي أو نقل التجربة بصورة ميكانيكية ضارة ومعوقه.

 

 

4- الفلاحـون :

إذا كنا نتفق على أنه ليس بالإمكان الحديث عن طبقات قائمة بذاتها أو متبلورة ، في المجتمع الفلسطيني ، بسبب استمرار هذا التداخل والتقاطع للأشكال الحديثة للتقسيم الاجتماعي للعمل ، مع الأشكال القديمة المتوارثة –كما أشرنا من قبل- فإن الحديث عن "طبقة الفلاحين" يأخذ منحى آخر ، إذ أنها طبقة متشكلة وقائمة تميزت بوجودها وانتشارها عبر أكثر من ألف قرية على الأرض الفلسطينية ، بالإضافة إلى دورها التاريخي وعراقتها وتراثها الممتد في الماضي والمتصل في الحاضر حتى اللحظة ، رغم ابتعادها واقتلاعها القسري عن أرضها وقراها ، فالزراعة –تاريخيا- احتلت المكانة الأولى في الاقتصاد الفلسطيني الذي كان - قبل 1948 - ككل اقتصاد شبه إقطاعي –في بدايته بصورة أساسية- اقتصادا طبيعيا حيث تعيش كل قرية داخل اقتصاد شبه مغلق ، يقابله انفتاح في العلاقات الاجتماعية مع القرى المجاورة ، ففي مرحلة ما قبل نكبة 48 بلغ عدد العاملين في الزراعة من الفلاحين والأجراء ، حوالي 550 ألف يمثلون 55% من مجموع السكان ، كان 29% منهم لا يمتلك أرضا .

وفي حين أن مجموع ملكية 71% من هؤلاء الفلاحين (حوالي 55 ألف أسرة) لم تتجاوز (3) مليون دونم موزعة عبر ملكيات/حيازات صغيرة من خمس دونمات – 55 دونم ، فإن 250 مالك فقط ، استحوذوا – بطرق ووسائل غير مشروعة - على حوالي أربعة ملايين ومائة وخمسون ألف دونم ، أي ما يزيد عن كل ما امتلكه الفلاحون الفلسطينيون آنذاك ، وفي هذا الجانب ، يكفي أن نشير إلى أن "28 مالكا في قضاء بئر السبع وغزة كانوا يمتلكون حوالي (2) مليون دونم ، وكانت ملكية (11) شخصا منهم تزيد عن (100) ألف دونم لكل فرد"[17] ، وفي القدس والخليل كان 26 مالكا ، يملكون 240 ألف دونم ، وفي نابلس-طولكرم خمسة ملاكين ، كانوا يملكون 121 ألف دونم ، وفي منطقة جنين ستة ملاك ، امتلكوا 114 ألف دونم ، والمعروف أن هذه العائلات المالكة عبر هيمنتها على الاقتصاد تمكنت من قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قبل 1948 ، ومن الثوابت الجديرة بالتسجيل والتأمل في تاريخ نضال شعبنا الفلسطيني ، أن الفلاحين الفلسطينيين كانوا وقودا للثورة قبل عام 1948 ، ولم يكن غريبا أن ينجب الريف الفلسطيني خيرة المقاتلين والمناضلين الذين كانوا بحق هم المحرك اليومي والفعلي والمباشر للعمل الثوري ضد الانتداب والحركة الصهيونية ، في حين لم يكن كبار الملاك ( الأفندية ) سوى واجهة هشَّه تصدرت قيادة الحركة الوطنية ضمن آفاق محددة لم تكن تلتقي مع آفاق وتطلعات الجماهير الثورية العفوية ، وكان دورها – على الأغلب – هو امتصاص وتهدئة الحالة الثورية لدى فقراء بلادنا ، وكان هذا الدور منسجما مع وضعها الطبقي ومصالحها وعلاقاتها مع القوى الرجعية العربية وغيرها . 

 

ومن أشهر هؤلاء الملاك أو العائلات المالكة المسيطرة قبل نكبة 48 ، الحسيني والنشاشيبي ونسيبه والعلمي في القدس وأريحا ، وعبد الهادي وطوقان وجرار والشكعة والمصري في نابلس وجنين وطولكرم ، والجعبري في الخليل ، والشوا والصوراني والريس وخيال وأبو رمضان في قضاء غزة، وعائلات فلسطينية أخرى في يافا وحيفا وعكا وصفد والمجدل والرملة واللد ، لا تتجاوز 60-70 عائلة استمر بعضها في السيطرة على الاقتصاد الزراعي والتجاري والصناعي في الضفة والقطاع بعد نكبة 1948 وحتى الاحتلال عام 1967 وما بعده ، وصولا الى قيام السلطة الفلسطينية في عام 1994 وبداية تراكم العلاقات والتحالفات بين اصحاب الثروات التقليدية واصحاب الثروات الطارئة .

لقد كان لفصل الضفة عن القطاع بعد نكبة 1948، آثاره الضارة التي لم تتوقف فحسب عند انقسام التوحد السياسي والجغرافي، بل امتدت لتطال التوحد الاجتماعي الاقتصادي – النسبي بالطبع - ، بين فريق النخبة العائلية من كبار الملاك الذين لم يعد لهم من مصلحة سوى المحافظة على ما تبقى من ملكية زراعية أو وكالات تجارية عبر تحول معظمهم إلى الدور الكومبرادوري ، حفاظا على نفوذهم السياسي عبر الولاء للنظام السائد وذلك في إطار المنافسة على المواقع السياسية في المجالس المنتخبة والبلديات ، خاصة في الأردن ، إلا أن تأثير هذا الانفصال ، بكل أبعاده ، كان أكثر قوة في أوساط الفلاحين والجماهير الشعبية الفقيرة التي تعرضت لشتى أنواع الاضطهاد والحرمان ، السياسي والطبقي معا ، بصورة لم تعهدها من قبل ، مما اضطر قطاعات واسعة منها إلى الهجرة إلى الخارج أو العمل في البلدان العربية النفطية ، إلى جانب نزوح أعداد كبيرة من سكان الضفة الغربية عموما ، واللاجئين بصورة خاصة ، إلى الإقامة والعمل في الضفة الشرقية (الأردن).

 

وقد جاء الاحتلال الإسرائيلي في حزيران 67 ، ليعمق التباينات بين الضفة والقطاع من خلال خطته القائمة على أساس التعامل معهما باعتبارهما " إطارين " اقتصاديين واجتماعيين مختلفين ، وعلى هذه القاعدة استمر الاحتلال في تطبيق القوانين والأنظمة الأردنية في الضفة ، والمصرية في القطاع بما يخدم سياسته وخططه المنهجية في إضعاف الاقتصاد الفلسطيني بما يدفع مزيد من العمال والفلاحين للدخول في سوق العمل الإسرائيلي ، إلى جانب تعميق تبعية الاقتصاد الفلسطيني وارتباطه بصورة شبه كلية للاقتصاد الإسرائيلي ،وهذا ما نجح الاحتلال الصهيوني في السعي إليه وتحقيقه عبر أوسلو وبروتوكول باريس ، حيث تراجع قطاعي الإنتاج الرئيسيين ، الصناعة عموما ، والزراعة بصورة خاصة ، و وصلت مساهمة القطاع الزراعي في إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني في عام 2002 إلى ( 470 ) مليون$ أي بنسبة 9% فقط ، بعد أن كانت تصل في الأعوام 1985-1992 إلى أكثر من 25% أي حوالي ألف مليون دولار ، وهذه النتائج بقدر ما تؤشر على نجاح مخططات العدو المحتل في تهميش وإعاقة فرص النمو الاقتصادي الفلسطيني عموما ، ولقطاع الزراعة بصورة خاصة ، إلا أنها تدل أيضا على عجز وتراخي مؤسسات ووزارات السلطة في تطوير القطاع الزراعي ، والقطاعات الإنتاجية الأخرى ، وتراجعها لحساب ارتفاع حجم ودور قطاع الخدمات الهامشية وهيمنته على الاقتصاد الفلسطيني بتراكم تصاعدي من عام 1994 إلى اليوم ، كما يدل على مدى العجز الذاتي لقطاع الزراعة ومدى ما يجره هذا العجز على ضعف إمكانيات التراكم واتساع السوق وتأثير ذلك على تطور الصناعة الفلسطينية المرتبطة بالإنتاج الزراعي والحيواني .

 

ونتيجة هذه الأوضاع فقد تراجع حجم مشاركة العمالة في القطاع الزراعي من 20% عام 1993 إلى حوالي 14.8% من مجموع العمالة الفلسطينية عام 2002 ما يعادل ( 105 ) ألف عامل، والمعروف أن قطاع الزراعة يعتمد عليه أكثر من 20% من السكان.

 

من هذه المؤشرات نستنتج ، مدى التراجع وشبه الانهيار الذي أصاب القطاع الزراعي ، وساهم في المزيد من تفتته ، وتهميشه ، وإضعاف تكوينه الرأسمالي المحلي الداخلي على صعيد الريف الفلسطيني في الضفة والقطاع الذي أثر بدوره على ضعف الدور السياسي العفوي والمنظم للفلاح الفلسطيني ، والقرى الفلسطينية عموما ، ساهم في ذلك قيام السلطة الفلسطينية – وقبلها م.ت.ف - ، بصورة مباشرة وغير مباشرة ، في تدعيم وتوليد الشرائح الطفيلية المتمثلة في رموز التخلف أو القوى والرموز التقليدية العشائرية والحمائلية الريفية والمناطقية ( ضفة وغزة ) ، التي كان لبروزها وهيمنتها –خلال السنوات السابقة- أثرا سالبا في إعاقة تفعيل ذلك الدور السياسي للفلاحين في الريف الفلسطيني ، والإسهام –بهذه الدرجة أو تلك- في إعاقة تفعيل الاندماج الاجتماعي بين الضفة والقطاع بالمعنى الإيجابي في إطار الوحدة السياسية لشعبنا ، بما يوفر الفرص والإمكانيات لخيارات أخرى معادية وبديلة لخيارنا أو لمشروعنا الوطني، وكذلك المزيد من العزلة والتباعد عن الاطار القومي الشعبي من حولنا تحت ذريعة استقلالية القرار الفلسطيني.

 

إن تراكم العوامل التاريخية ( الانقسام الجغرافي والسياسي الرسمي بعد النكبة ) ، التي كرسها الاحتلال فيما بعد وحرص على إدامتها ، إلى جانب العوامل والممارسات السلبية الداخلية الفلسطينية ، كل ذلك عمق التباين في العلاقات الاجتماعية السائدة بين الضفة والقطاع دون إغفال عوامل التباين الموضوعي بينهما التي تتبدى اليوم في عدد من المظاهر ، سواء من حيث الكثافة السكانية (في الضفة 400 فرد في الكيلو متر المربع الواحد ، ترتفع هذه الكثافة في قطاع غزة إلى3738 فرد/كم2) أو من حيث توزيع السكان المدنيين الذين يعيشون في المدن ، ونسبة هؤلاء في قطاع غزة تصل إلى 80% ، تنخفض في الضفة إلى 38% (حوالي 896 ألف) سكان مدن في مقابل 62% (حوالي 1.46 مليون نسمة) سكان الريف ، إذ يوجد في الضفة حوالي 430 قرية ، في حين أن القرى الفلاحية في قطاع غزة لا تتجاوز (12) قرية صغيرة ( بعضها حديث النشأة ) ، وهذه المظاهر ، وان كانت تؤكد على الطابع الريفي للضفة ، والطابع المديني لقطاع غزة ، إلا أن هناك مفارقة لا بد من الإشارة إليها في هذه الدراسة ، فبالرغم من النسبة العالية لسكان الريف في الضفة ، إلا أن العلاقات الاجتماعية السائدة فيها يغلب عليها الطابع المديني المتطور والأكثر تقدما بالمعنى النسبي من قطاع غزة ، الذي – وان كنا نقر – بأن 80% من سكانه يقيمون في المدن ، إلا أن العلاقات الاجتماعية السائدة فيه هي علاقات " مدنية " متخلفه ومهمشه ورثه بصورة عامة ، نلحظ هذه المفارقة عبر هذا التباين الواضح في كثير من الجوانب الحياتية بينهما ، أهمها تلك المرتبطة بالتطور الاجتماعي و الحضاري و الثقافي العام ، إلى جانب التمايز في الأوضاع الريفية – الزراعية – الفلاحية .

 

إن الحديث عن طبقة الفلاحين في الضفة و القطاع ، هو حديث يتناول قطاع هام وواسع من المجتمع الفلسطيني يتجاوز النسب المئوية – المشار إليها (60% - من سكان الريف – في الضفة ، 20% في القطاع)- ويحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل والرؤية الموضوعية ، ذلك لأن طبيعة المسار التطوري الاجتماعي – الاقتصادي الراهن ، هي طبيعة غير مستقرة أو مؤطرة ، بحكم هذا التداخل في الأنماط التقليدية القديمة و الحديثة و المعاصرة الذي لا تتحدد حركته بفعل عوامل فلسطينية داخلية ، تراثية أو تقليدية أو حديثة ، و إنما أيضاً بفعل الاحتلال و المخطط العدواني الصهيوني الذي يستهدف تعميق كل مظاهر التخلف القديمة ، عبر استمرار هذه التبعية و الهيمنة على الاقتصاد و البنية الاجتماعية معاً ، المسألة الثانية في هذا الجانب ، تتعلق باستمرار – بل و ثبات – العلاقات الفلاحية في أوساط اللاجئين الفلسطينيين الذين ينحدر 70% منهم على الأقل من أصول فلاحية ، عبر تمسكهم بالإنتماء للقرية بكل المعاني السياسية و الروابط الاجتماعية حتى اللحظة ، و في هذا السياق فليس من المبالغة في شيء أن نقول أن المجتمع الفلسطيني عموماً هو مجتمع تسوده العلاقات الفلاحية ( بالمعنى الديمغرافي أو الاجتماعي و التراثي العام ) رغم تزايد عدد المدن و نسبة التطور المديني الكمي الذي لم يؤثر بصورة ملموسة بعد في جوهر العلاقات المجتمعية – الفلاحية التي تشكل جزءاً هاماً من مكونات البنية المجتمعية الفلسطينية في المرحلة الراهنة ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه العلاقات الاجتماعية الريفية في أوساط الفلاحين الفلسطينيين ، لم تعد محكومة – كما كانت في السابق – بقوة الملكيات الكبيرة أو أشباه الإقطاعيين التي لم يعد لها دوراً مسيطراً على هذه العلاقات من جهة ، إلى جانب تفتت الأراضي الزراعية إلى قطع صغيرة ( أقل من 50 دونم ) بحيث تقدر نسبة الحيازات الصغيرة ( من 1-10 دونم ) بما يزيد عن 50% من إجمالي الملكيات في الأراضي الزراعية ، و من 10-20 دونم في حدود 20% ، و من 20-50 دونم 20% ، و من 50-100 دونم 7% و من 100 – فما فوق 3% من مجموع الأراضي الزراعية البالغ 1,85 مليون دونم ، منها 1,67 مليون دونم في الضفة ، و (177 ) ألف دونم في قطاع غزة – حسب الإحصاءات الزراعية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أغسطس 2003ٍ .

 

لقد أدى تطور العلاقات الرأسمالية المشوهة – في سياق الارتباط بالإقتصاد الإسرائيلي إلى نمو العلاقات الرأسمالية – أو العلاقات السلعية و النقدية – في الزراعة و الريف الفلسطيني التي ترافقت مع التراجع التدريجي – بحكم عوامل الوراثة و عوامل أخرى – في حجم الملكيات الكبيرة ، بحيث تراجع دور طبقة كبار الملاك بوصفها الشكل الرئيسي للإستغلال في أوساط الفلاحين ، ليحل مكانها استغلال العمل المأجور في إطار العلاقات الرأسمالية المشوهة في الريف التي تقوم على تخصيص القسم الأكبر من الإنتاج الزراعي من اجل السوق ، و في هذه الظروف تزايدت نسبة التمايز الطبقي بين الفلاحين الذين يشكلون حتى اللحظة وجودا طبقيا موضوعيا وقاعدة اجتماعية – فلاحية في الضفة بشكل خاص ، وتزايد تسارع نمو الفئات الفقيرة و المعدمة ، " البروليتاريا " " و البروليتاريا الرثة " في القرية أو في أوساط العمال الزراعيين الأجراء في المخيمات و المناطق الفقيرة الأخرى ، دون أن يعني ذلك تبلور حالة من التمايز الطبقي الكلاسيكي الذي يمكن أن يحقق تراكماً رأسمالياً ملموساً يؤثر في تطوير أو تنمية العلاقات الرأسمالية في الريف الفلسطيني ، إذ أن العلاقات الرأسمالية الجديدة القائمة على استغلال العمل المأجور ، هي علاقة مشوهة و كومبرادورية في نفس الوقت و بالتالي فقد بقي المصدر الأساسي للتراكم ، هو ما تحصل عليه فئة الكومبرادور من أرباح ، و هو أشبه من حيث طبيعته بعلاقة الريع أو الربح الذي كانت تستحوذ عليه طبقة أشباه الإقطاعيين في مراحل سابقة .

 

إن هذه الأوضاع التي تعيشها جماهير الفلاحين الفلسطينيين بما يمثلونه من كتله اجتماعية / إنتاجية فقيرة لها مصلحة في النضال الوطني والطبقي، تدفع قوى اليسار الفلسطيني، إلى مزيد من الاهتمام بقضاياهم ووعي تفاصيل أوضاعهم الحياتية عبر تنظيمهم و معايشتهم، بهدف مواجهة كل أشكال المعاناة التي يتعرضون لها من الاحتلال والمستوطنين من جهة ، أو أشكال الاستغلال الطبقي الداخلي من جهة أخرى ، وهذا يفرض على هذه القوى، القيام بالمبادرات المدروسة ، لتشجيع قيام التعاونيات لدعم الفلاحين الأجراء ، والعمل على رفع مستوى الملكيات الزراعية – المفتتة – إلى مستوى معين من الملكيات التعاونية ، والمطالبة بإيجاد قطاع حكومي في الزراعة ، في أراضي الضفة بصورة خاصة ، إلى جانب ذلك فان المطالبة بتقديم مختلف التسهيلات للفلاحين والمزارع الصغيرة ، كالقروض والأسمدة والأدوية والإرشاد والتخطيط أو التنميط الزراعي ، والاهتمام بالمنتوجات من حيث التسويق وحماية الأسعار ، أمور لا بد من العمل على تفعيلها ، تعميقا للعلاقة بين هذه القوى ، وبين جماهيرنا الشعبية في الريف الفلسطيني من الفلاحين الذين تصدروا دوما حركة النضال الوطني والتضحية والنهوض الثوري منذ فجر تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية .

 

 

 

 

غزة-فلسطين

6/حزيران/2004


 

* إن مفهوم السلطة Authority يشير الى النفوذ المعترف به لتنظيم أو حركة أو حزب ، أو لمجموعة تنظيمات أو أحزاب من ناحية أو لفرد حاكم مطلق الصلاحيات من ناحية أخرى ، إذ أن مفهوم السلطة هنا يرتبط بالخصائص والاعتبارات والظروف الموضوعية والذاتية التي تدفع إما نحو المشاركة الديمقراطية في الحكم أو نحو الاستبداد والتفرد ، وفق حالة التطور السياسي والمجتمعي في هذا البلد أو ذاك . وبالنسبة لأوضاعنا في فلسطين في ظروف الانتفاضة الثانية ، فإننا نتعاطى حتى اللحظة –حسب اتفاقات أوسلو وما تلاها- مع المفهوم الذي نصت عليه تلك الاتفاقات وهو مفهوم "سلطة الحكومة الفلسطينية الانتقالية الذاتية" أو مفهوم الحكم الذاتي الأكثر تداولا ، والمعروف أن لهذا المفهوم مضامين متعددة من الناحية القانونية والسياسية ، فهو أحيانا -كما يقول د.عبد العليم محمد في كتابه "مفهوم الحكم الذاتي في القانون الدولي"-القاهرة-1994- ، مجرد صيغة تعبر عن حكم الذات Self rule أو "حكومة ذاتية Self Government " أو "إدارة ذاتية Self Administration" وجميع هذه المفاهيم تقترب من مفهوم الحكم الذاتي وتفترق عنه في نفس الوقت وفقا للسياق الذي تطرح فيه أو وفقا لشروط الاتفاقات ، بعكس مفهوم الاستقلال Independence أو حق تقرير المصير Complete Self Determination الذي نص عليه إعلان الأمم المتحدة رقم 2625 لعام 1970 .

أما بالنسبة لأنواع الحكومات –حسب خبراء القانون الدولي- فهي ثلاث : 1-الحكومات الفردية: وهي التي تنحصر وتتجمع فيها السلطة في يد فرد واحد ، قد يكون ملكا أو رئيسا دكتاتوريا ، لأنه في كلتا الحالتين لا يصل الى منصبه بواسطة الشعب عبر آليات ديمقراطية حقيقية وصادقة وموضوعية ، بل بوسائل متعددة –عبر حزب أو جماعة متنفذة وبأساليب اكراهية شبه مطلقة في حال غياب وتعطيل تطبيقات الديمقراطية وتشريعاتها واستحقاقاتها القانونية والسياسية والمجتمعية  .  2-الحكومة الديكتاتورية: وتقوم على أساس إنفراد شخص واحد بالسلطة في ظل التعطيل الكامل للديمقراطية والقانون معا ، والدكتاتور عادة ما يتولى الحكم بفضل مميزات وكفاءات شخصية وبفضل ما يتمتع به أنصاره من قوة ونفوذ ، ولذلك غالبا ما نجد الدكتاتور يستمد سلطاته وقدرته في السيطرة على الغير من مقومات هيمنته على كل شئ عبر أجهزته ، في واقع متخلف ارتضى أو أفسح المجال له في السيطرة عبر الإكراه والخوف أو الاحباط واليأس أو ضعف القوى الديمقراطية النقيضة في مواجهة هذه الظاهرة. 3-الحكومة الديمقراطية: هي الحكومة التي يوكل فيها مصدر السلطة الى الشعب ، والسيادة أيضا تبقى في يد الشعب الذي يمارسها بنفسه بواسطة الديمقراطية المباشرة أو عن طريق انتخاب نواب عنه ليمارسوا السلطة في إطار من الحرية والتعددية والرقابة الشعبية والمحاسبة ، وهذه الحكومة الديمقراطية تأخذ بنظام التمثيل النسبي وتعبر عن ارادة الأغلبية وتقوم على مبدأ المشاركة والاختيار الحر الواعي .     

[1] الجهاز المركزي للإحصاء-فلسطين في أرقام 2002

[2] الجهاز المركزي للإحصاء-فلسطين في أرقام 2002

[3] المصدر السابق

[4] المصدر : د. عبد القادر عابد , صايل الوشاحي ، جيولوجية فلسطين ، مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين – القدس – الطبعة الأولى 1999 ، ص356 .

[5] تتجاوز نسبة من هم أقل من 15 سنة في الدول الصناعية المتقدمة 30% من عدد السكان.

[6] وهي نسبة منخفضة قياساً ببعض الدول العربية مثل مصر التي تزيد فيها القوى العاملة عن 30% من مجموع السكان وفي الأردن 27% وفي سوريا 28% ، وهي منخفضة قياساً الى مجموع القوى العاملة العربية التي تبلغ في العام 2001 حوالي ( 90 ) مليون عامل بنسبة 33% من مجموع سكان الوطن العربي ، وترتفع هذه النسبة في الدول المتقدمة ( أوروبا وأمريكا واليابان ) لتصل الى 50% ، وفي إسرائيل تصل الى 39% ، بالطبع النسبة منخفضة عندنا بسبب ارتفاع نسبة من هم دزن سن 15 سنة التي تزيد عن 47% من مجموع السكان في الضفة والقطاع .

[7] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ،  مسح القوى العاملة – تقرير السنوي 2002 – أبريل 2003  - رام الله ، ص49

[8] المصدر : الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني – مسح القوى العاملة – التقرير السنوي 2002 – أبريل 2003 – رام الله – ص49 .

[9] المصدر السابق – ص49 .

[10] المصدر الجهاز  المركزي للإحصاء الفلسطيني ، 2003 ، فلسطين في أرقام 2002 . رام الله – فلسطين

[11] الجهاز المركزي للإحصاء –سلسلة التقارير الإحصائية- تموز 2000 ص32/33 . علماً بأن المراقب الاقتصادي – الصادر عن معهد ماس أورد نسبة البطالة 33.6% لعام 2002 .

[12] بلغ مجموع العاملين في الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية 457 ألف , 479 ألف , 439 ألف للأعوام 1999 , 2000 , 2001 على التوالي حسب المراقب الاقتصادي – ماس – العدد التاسع .

* وفي هذا السياق لا بد من أن نشير إلى أهمية التوقف أمام مفهوم القوى العاملة الذي يشمل العمال الذين يبيعون قوة عملهم الجسدية مقابل الأجرة اليومية ، كما يشمل العاملين في السلطة ، الموظفين المدنيين والعسكريين وعدد من الوظائف في القطاع الخاص خاصة في مجال الخدمات ، وهؤلاء يقدر عددهم بحوالي 200 ألف من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية ، ولا يجوز إدراجهم في التحليل ضمن صفوف الطبقة العاملة الكادحة ، وإنما ضمن صفوف البرجوازية الصغيرة كما سيرد لاحقا ، ولذلك نلاحظ اهتمام السلطة لتأمين صرف رواتبهم ، في حين أنها لم تبذل الجهد الكافي في مساعدة العمال العاطلين عن العمل الأكثر تضررا ومعاناة ، وتفسير ذلك لان شريحة الموظفين من البورجوازية الصغيرة تحرص السلطة على ضمان تأييدها او تحييدها في حين يختلف موقف العمال الفقراء الذي ينسجم موضوعيا مع رؤية وسياسات المعارضة .

** الدولار يعادل 4.5 شيكل حسب الاسعار في منتصف العام 2004.

[13] جميل هلال –النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو-مواطن للدراسات-رام الله –الطبعة الأولى-تموز 1998-ص169.

* قد يبدو هذا المبلغ مرتفعا قياسا ببعض الدول العربية ، ودول العالم الثالث ، ولكن عند مقارنة اسعار المواد الاساسية في الاراضي الفلسطينية المحتلة بمثيلها من المواد في البلدان العربية المجاورة نلاحظ ارتفاع الاسعار بنسبة تزيد عن 200% في بعض السلع مثل الغاز المنزلي الذي تبلغ ثمن الاسطوانة الواحدة منه 7.5 دولار تقريبا ، اما اللحوم البلدية فتتراوح اسعارها بين 7-9 دولار للكيلو ، فيما يبلغ سعر السمك في غزة كمعدل متوسط اكثر من 10 دولار ، اما كيلو الخبز فيصل الى نصف دولار .

[14] حسب د. إسماعيل صبري عبد الله فإن الأصل التاريخي لتعبير البورجوازية الكومبرادورية ،  الذي استخدمه الحزب الشيوعي الصيني ، و انتشر بعد ذلك في بعض أدبيات الماركسية ، يعود إلى كلمة comprador ، و كانت تعني في الأصل المواطن الذي يعمل في خدمة أوروبي / مستعمر ، مقيم في الشرق الأقصى ، ثم أصبحت هذه الكلمة ، تطلق على المديرين المحليين للشركات الأوروبية و كلمة كومبرادور هي أصلاً كلمة برتغالية .

[15] مصطلح " بورجوازية " هو مصطلح له دلالة اجتماعية و سياسية ثقافية ، إذ أن كلمة بورجوازية تعني التمدن ، بمعنى وجود نوعي متمدن في نمط و أسلوب الحياة و الأفكار .

[16] تدل نتائج الاستبيانات المنشورة في الصحافة الفلسطينية في النصف الثاني من ايار 2004 على تراجع نسبة التأييد الشعبي لحركة فتح التي حصلت على 22%، في حين حصلت حركة حماس على 26% وحركة الجهاد على 6%، أما الجبهة الشعبية فلم تتجاوز نسبة التأييد 4%، والجبهة الديمقراطية 1.5%.

[17] د.عادل غنيم-القوى الاجتماعية في فلسطين-ص30 (سنة الطبع ، ودار النشر غير واضحة) .

 

!أتصلوا بنا ألفهرس أبحث

 

الرجا إرسال أية أسئلة أو ملاحظات إلي ألمنتدي
ftm.messages@ifrance.com

Copyright © 2003  منتدى العام الثالث
Last modified: 01/23/04